#adsense

عون والقضاء: زعم النزاهة وحلم المحاصصة

حجم الخط

عون والقضاء: زعم النزاهة وحلم المحاصصة

من يتابع بدقة الانتقادات التي صدرت عن فريق 8آذار، وتحديداً الفريق العوني، والموجهة إلى التشكيلات القضائية التي تمت بعد أربع سنوات من الانتظار وبإجماع أعضاء مجلس القضاء الأعلى، يلاحظ حجم التناقضات التي تشوبها، لا بل يدرك أنها ليست أكثر من "شكلات" يعلقها العونيون على الجسم القضائي.

في إحدى خُطب رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" الأخيرة، أطلعنا الجنرال ميشال عون على رؤيته لوضع القضاء في لبنان بالقول إن الاستقلالية فيه "مفقودة وخاضعة للمحاصصة والسلطة السياسية"، مؤكداً رفضه تسييس القضاء. ثم لم يلبث، وفي التصريح نفسه، أن كشف مطلبه بالقول "هناك أسلوب يجب أن يعتمد معنا مثلما يعتمد مع أي قوة سياسية أخرى…أريد أن أفرض معايير للتعيين، أنا بحضوري أفرض معايير".

لم يكد يمر يوم على هذه الخطبة التي تميزت بالنبرة العالية حتى أتبعها صاحب "التغير والإصلاح" بجملة تناقضات أخرى عبر قوله لإحدى الصحف "إن تفويض الرئيس ميشال سليمان في موضوع التعيينات الإدارية(المتصلة بالانتخابات) حصل ولكن على قاعدة إعادة التوازن الطائفي والسياسي وليس على قاعدة إحداث إخلال جديد بالتوازنات من خلال ما شاب عملية التعيينات القضائية"، محذراً من أنه لن يسمح بأن يلدغ مرة أخرى من الجحر ذاته.

لم يبدأ التهجم على التشكيلات القضائية من رأس الهرم العوني، إنما سبقه ممثله في مجلس الوزراء ماريو عون الذي وصف التشكيلات بـ"المشبوهة" لصدورها في مرحلة الانتخابات النيابية، متهماً وزير العدل ابراهيم نجار بعدم الحيادية.

السؤال، في ضوء الانتقادات العونية،: أين الثغرات التي تشوب التشكيلات القضائية؟ أهي في خضوعها للتدخلات السياسية وعدم اعتماد معايير الكفاءة والنزاهة، بحيث يطالب عون بإصلاح واقعٍ مأسوي يتعرض له الجسم القضائي؟ أم في عدم إشراكه في التشكيلات وعدم تلبية طلبه بإسناد مناصب معينة لقضاة آخرين، الأمر الذي يصب في خانة التسييس المفضوح والمطالبة بالمشاركة في المحاصصة السياسية ؟

لا تصب الحملة على التشكيلات القضائية في خانة الانتقاد، "فالنقد والانتقاد يُبنيان على أسس قانونية، وإنما ما حدث هو هدم للمؤسسة القضائية، ذلك أن العدالة تقوم على ركيزيتين: مؤسسة القضاء ومؤسسة المحاماة، والمؤسستان تتعرضان لحملة تهديم غير مسند لأي قانون"، هكذا لخّص نقيب المحامين السابق ميشال اليان رؤيته للحملة السياسية على التشكيلات القضائية، واعتبر القول إنها صدرت في غير موعدها "باطلاً وبطلانه في جوهره، فصدور المرسوم كان مطلباً حقوقياً اجتماعياً وطنياً بعد أن تمنع الرئيس السابق إميل لحود عن إصداره منذ العام 2004، كما أنه صدر بأكثرية 7 أعضاء من مجلس القضاء الأعلى من أصل 10، وصدوره في هذا التوقيت لا يشوبه أي شائبة وإنما هو خطوة في طريق الألف ميل لإنقاذ وضع القضاء".

يتغاضى ميشال عون عن الحالة المرضية التي كان يعاني منها الجسم القضائي قبل صدور مرسوم التشكيلات، فنقابة المحامين بشكل خاص، والمحامون بشكل عام، انتظروا صدور المرسوم عدة سنوات لأسباب عديدة، اختصرها نقيب المحامين السابق بطرس ضومط في الآتي:

– شغور مراكز قضائية عدة بسبب الوفاة أو التقاعد أو الاستقالة، وقد جاء صدور هذه التشكيلات لسد هذا النقص.

– وجود محاكم متعددة لديها الكثير من الملفات ولا تستطيع البت بها، ومن شأن التشكيلات القضائية أن تزيد من عدد المحاكم والغرف بحيث تتوزع الملفات على الغرف الجديدة.

– تأجيل جلسات المحاكمات لفترات طويلة، ما أدى إلى البطء في تحقيق العدالة.

– وجود 105 قضاة متخرجين من معهد الدروس القضائية على مدى 4 سنوات، ينتظرون صدور مراسيم التشكيلات القضائية لإلحاقهم بالمحاكم، ويعدّ هذا العدد كبير بالنسبة إلى العدد الإجمالي للقضاة…

ومن الطبيعي ألا تكون أية تشكيلات قضائية مُرضى عنها بشكل مطلق، سيما وأن وسائل الإصلاح القضائي متعددة، ولكن إصدار التشكيلات هو إحداها. وبعد قراءة متمعنة، يتبين للنقيب ضومط أنها جيدة، "وإذا كان بعض القضاة قد لحق به غبن، فلا بأس من إنصافه في تشكيلات ومناقلات لاحقة، ذلك أن التشكيلات، بالصورة التي صدرت فيها، تلبي رغبات المحامين والمتقاضين وحسن سير المرفق القضائي ومن الأفضل أن يتم صدورها لأن عدمه يسيء إلى حسن سير العدالة".

نقيب المحامين السابق ميشال الخطار يعلق على أمرين في غاية الأهمية: "استحالة الحكم على التشكيلات القضائية إلا بعد معرفة نتائج أعمال القضاة الذين تم تعيينهم، وعدم إمكانية أي شخص، مهما علا شأنه، أن يحكم على القاضي إلا القاضي نفسه، عبر استقلاليته وإبعاد نفسه عن التدخلات السياسية. أضف إلى ذلك أن التدخل السياسي في تشكيل القضاة أمر لا بد منه، فالمسؤول سواء كان رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء أو رئيس الحكومة أو غيره، يمثل المرجع الذي سيعين القاضي، وإلا كيف سيتم تعيينه ، لكن التدخل في عمله بعد التشكيل هو الأمر المرفوض، وهنا تقع المسؤولية على عاتق القاضي نفسه ".

سُئل أحدهم: ما الأمر الذي لم يُكشف، فأجاب: هو الأمر الذي لم يحدث. لذلك فإن أي حديث عن تدخل في الشأن القضائي هو سابق لأوانه ويُعد فارغاً من أي قيمة إلى أن يُثبت العكس. أما حملة ميشال عون على القضاء، فتندرج في إطار تحضير الأرض سلفاً لاحتمال خسارته الانتخابات النيابية المقبلة، أو بمعنى آخر، تصب في خانة النتائج التي ستحددها تلك الانتخابات ، فإذا جاءت إيجابية لصالحه ( وهو حلم عوني بعيد المنال)، يكون مبرر الحملة عدم الأخذ برأيه في التشكيلات التي صدرت ، وأما إذا جاءت النتيجة سلبية، وهو الأمر الحتمي الذي يحضّر له الجنرال، فتكون انتقاداته خطوة استباقية لفتح جبهة حرب ضد الجسم القضائي، الذي سيتعرض في مرحلة ما بعد الانتخابات لحملة تلفيقات واكاذيب، ولاتهامات باطلة ترسم صورة قاتمة للقضاة المعيّنين بأنهم وراء خسارة الجنرال معركته الانتخابية .

إيمان عجينة

المصدر:
موقع تيار المستقبل

خبر عاجل