#adsense

استذكار الطائف

حجم الخط

استذكار الطائف

في البدء كان الكلمة.
وفي البدء، لبنانيَّا، كما هو معلوم لدى الجميع، كانت الانقسامات والاضطرابات على أنواعها، قبل أن يحلَّ اتفاق الطائف ضيفاً مرحَّباً به في الربوع اللبنانيَّة.
وليحلَّ، تالياً، محل الدستور القديم والميثاق الوطني غير المكتوب. وليحقّق، بعد شهر من مشاورات اشتركت فيها الشرعيَّة الدوليّة والشرعيَّة العربية والدول الكبرى من صديقة وشقيقة، ما يشبه الأعجوبة.

ولتتوقَّف على الأثر "الحرب الكونيَّة الثالثة"، التي لم تبقِ جنسيّة على وجه البسيطة إلاّ اشتركت فيها. إن لم يكن مباشرة، فبالواسطة. عَبْر السلاح، أو المال، أو الرجال.

وإن لم يكن حبّاً بالمقاومة الفلسطينيَّة، فنكاية بهذه العاصمة العربية أو تلك. أو رغبة في فرط التركيبة اللبنانيَّة، والصيغة المميزة، والتعدُّديَّة التي لا تزال حتى اليوم مضرب مَثَل ونموذجاً يحاولون الاقتداء به في دول العالم الثالث، وحتى في دول العالم الأوَّل.

من غير نسيان اولئك الذين ساهموا في إذكاء نار الحروب والفتن باعتبارها تمهٍّد الطريق أمام طموحاتهم في وضع اليد على لبنان.
وعَبْر اتفاق الطائف أيضاً، وان كانوا اليوم يحاولون إلغاء هذا الاتفاق، أو تجاوزه حتى بعدما صار دستوراً، والالتفات الى ما يُسمّى اتفاق الدوحة وتقديمه على أساس انه البديل الصالح من اصيل أكل الدهر عليه وشرب.

الا ان القوى الداخلية الأساسيَّة تلتقي مع القوى العربيَّة والدوليَّة في التمسك بـ"الطائف"، واعتباره خشبة الخلاص والسفينة التي أوصلت لبنان الى برّ الامان، بعد نيٍّف وأربعين سنة من النقار والثورات الحمراء والبيضاء وحروب داحس والغبراء.
ولا غنى عنه.
ولا سبيل الى استبداله بأي اتفاق آخر.

لكنّ ذلك على أهميته لا يعني ان الطائف هو سدرة المنتهى بالنسبة الى الوضع اللبناني، أو غاية الأرب، ولا يحتاج الى تعديلات، أو اعادة نظر، أو ضربة قلم.

على الاقل لا يزال يشكو من "عدم الاكتمال" في تطبيق كل نصوصه وبنوده، وما تمَّ الاتفاق عليه بالاجماع، وما دخل كنص أساسي في الدستور الجديد.
ولا بأس إن أحلّوه ضيفاً على شعارات الانتخابات وخطبها ومهرجاناتها.

من هنا كان الترحيب بعودة الرئيس ميشال سليمان الى الطائف، واستذكاره في باريس مربط خيل اللبنانيين، وتذكير الداخل والخارج بوجوب إقرار البنود "المنقوعة" على الرف، وخصوصاً إلغاء الطائفية السياسية، واللامركزيّة الاداريَّة، ونقل مجلس الشيوخ من الورق الى الواقع، والسير قدماً في تطبيق النصوص بأمانة ودقَّة.

وما دامت هذه البنود الأساسيَّة خارج التطبيق، و"مبعدة" قسراً وقهراً، فسيظل الغبن شاهراً سيفه في الساحات، وسيظل المتضررون يجدون خيلاً يسرجونها عندما يحلو لهم أن يخربطوا الاستقرار ويخلفوا اللبنانيين بعضهم ضد بعض.

المصدر:
النهار

خبر عاجل