#adsense

إنكشاف الأهداف السياسية السورية وانقسام المعارضة وانعدام صدقيتها لدى اللبنانيين

حجم الخط

أسباب فشل نزول المعارضة الى الشارع من خلال التلطي وراء المطالب العمالية هذه المرة
إنكشاف الأهداف السياسية السورية وانقسام المعارضة وانعدام صدقيتها لدى اللبنانيين

معروف الداعوق


لم تكن النتائج الأولية، لباكورة تحرك >المعارضة< في الشارع، في مستوى الحد الأدنى من حملات التهديد والترهيب التي أطلقها قادتها في السر والعلن خلال الأسابيع الماضية، وحاولوا من خلالها ابتزاز الأكثرية وفرض شروطهم التعجيزية عليها خلافاً لموازين التمثيل السياسي في المجلس النيابي، بل كانت الحصيلة هزيلة جداً، الى حدود الفشل، استناداً الى رفض أكثرية اللبنانيين التجاوب معها، وإصرارهم على مواجهتها، وعدم الانصياع لمؤثرات الضغط والترهيب التي مورست بحقهم، والحرص على ممارسة حياتهم الطبيعية ومتابعة مسيرة العمل اليومي بمعزل عنها·


فالأسباب كثيرة لتعثّر حركة المعارضة في الشارع وعجزها عن توظيف هذه الحركة التهديدية في إقناع الناس بالتجاوب معها، لإثبات قدرتها على التأثير، وممارسة ضغوطها في الاتجاهات السياسية التي تبتغيها من جراء اللجوء الى الشارع بعد فترة من التلويح به· أول هذه الأسباب يعود الى أن اللبنانيين عموماً، لم يعودوا متحمسين للتجاوب مع مثل هذه الدعوات، التي تتلبّس ظاهرياً المطالب الاجتماعية والمعيشية، ولكنها في الحقيقة تهدف الى قلب الواقع السياسي وتحقيق رغبات ومطامح سياسية لا تعود بالمنفعة على مصلحة اللبنانيين المباشرة وإنما تصبّ في خانة إعادة النفوذ السوري المقنّع الى القرار السياسي اللبناني الداخلي من خلال القوى والفئات التي تسمي نفسها بالمعارضة·

ولذلك، قوبلت الدعوة الى الاضراب، بالرفض الواسع، لأن الناس ملّت مثل هذه الممارسات، وقرفت من اللجوء إليها، وهي تريد أن تعيش كسائر الشعوب في البلدان الأخرى، وتسعى لكي تؤمّن لقمة عيشها، وخصوصاً أبناء الطبقة المتوسطة والمحدودي الدخل الذين يعانون من جراء تزايد متطلبات تكاليف الحياة اليومية، وتزايد المشكلات الناجمة عن التعطيل القسري الذي تفرضه المعارضة الموجهة من قبل النظام السوري على المؤسسات الدستورية، والضرر الفادح الذي ألحقه احتلال رأس المعارضة حزب الله للوسط التجاري لبيروت منذ أكثر من عام بالدورة الاقتصادية العامة في البلاد، وتسبّبه بتعطيل وقطع أرزاق مئات العائلات اللبنانية من جراء ذلك·

 

ثانياً: إنعدام ثقة اللبنانيين بالهيئات والنقابات الداعية للإضراب، في ظل الانقسام القائم في الجسم النقابي العمالي، وبسبب ارتهان الداعين للاضراب لجهات تُحركها المخابرات السورية، التي كانت تتحكم بكل تحركات هذه النقابات ولغاياتها السياسية إبّان فترة الوجود السوري في لبنان، وليس في سبيل تحقيق مطالب الطبقة العاملة كما هو مطلوب· وانطلاقاً من هذا الواقع انحصر التجاوب مع الدعوة الى الإضراب، بأعداد قليلة من الحزبيين والمنتفعين ولم يتعداه الى سائر الشرائح الشعبية والعمالية الواسعة·

 

ثالثاً: إنقسام المعارضة في ما بينها، وعدم قدرتها على الاتفاق على قرار موحّد، يجسّد تحركها بقوة في الشارع، بعد سلسلة من الاخفاقات القاتلة التي مُنيت بها في المرحلة الماضية، وخصوصاً يومي 23 و25 كانون الأول في العام 2006، وما حصل بنتيجتها من اشتباكات مسلحة مع قوى الأكثرية وخصوصاً في موقعة الجامعة العربية في بيروت، وهي الموقعة التي كادت تجرّ الى فتنة خطيرة بين السنّة والشيعة، وتُدخل لبنان في حرب أهلية، والفشل الذريع الذي مُنيت به أيضاً من جراء احتلالها وسط بيروت بقوة سلاح حزب الله، ولم تحقق الحد الأدنى من الأهداف السياسية المعلنة من وراء هذه التحركات وخصوصاً إسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة وتغيير موازين القوى السياسية لصالحها·

 

ولوحظ انعدام مشاركة >التيار الوطني الحر< بالكامل في هذا التحرك، على الرغم من التهديدات المتتالية لرئيسه العماد ميشال عون بالنزول الى الشارع، وتبيّن أن حركة المواطنين في المتن حيث مقر تواجده، كانت طبيعية جداً في الحركة التجارية عموماً، وقطاع النقل العمومي المعني بإضراب الأمس، في حين كانت مشاركة >حزب الله< هي الطاغية على حركة الاضراب في مناطق سيطرته ونفوذه، ومن خلال حملات التجييش الإعلامي والسياسي والنقابي الواسعة النطاق·

 

رابعاً: عجز المعارضة عن التحرك بحرية في مناطق نفوذ الأكثرية، وعدم قدرتها على فرض قراراتها بالدعوة الى الاضراب، وهذا ما ظهر جلياً، برفض التجاوب مع الاضراب في مناطق الشمال عموماً، والمتن والجبل وبيروت وقسم كبير من البقاع وصيدا، وإصرار المواطنين في هذه المناطق على ممارسة حياتهم الطبيعية بشكل عادي، فيما لوحظت هزالة التحركات التي قام بها بعض أنصار المعارضة لإثبات وجودهم فيها على الأرض ولكن من دون جدوى أو تأثير·

 

خامساً: إنكشاف الأهداف الحقيقية لهذه التحركات العمالية، بعد وقائع الحركة السياسية التي حصلت خلال الأسابيع الماضية، وقيام النظام السوري بالمفاوضة مباشرة عن المعارضة وتحديد أهدافه علناً، دون مواربة أو خجل، من خلال المواقف المعلنة من قبل نائب الرئيس السوري فاروق الشرع ووزير الخارجية وليد المعلّم، والإمعان في تعطيل كل المبادرات المطروحة لحل الأزمة اللبنانية وكان آخرها وضع العصي في دواليب المبادرة العربية، والضغط الحثيث لتحويلها لصالح تكريس النفوذ السوري بغطاء عربي، ورفض كل مساعي إخراج لبنان من حالة الفراغ الرئاسي التي يعيشها·

 

وباختصار، لم تعد حرية حركة الشارع متاحة للمعارضة كما كانت تتحرك في حماية النظام السوري ولغاياته من قبل على نسق ما حصل في الضاحية الجنوبية في ربيع العام 2004، بل أصبحت هذه الحركة مقيّدة ومحكومة بخطوط تواجد قوى الأكثرية ومساحة انتشارها والتي أصبح دونها محاذير وتداعيات سلبية خطيرة، قلّصت كثيراً من رصيد المعارضة خلال السنوات الماضية وأضرّت بصدقيتها، وبالتالي أصبحت ميزة اللجوء الى الشارع خارج سيطرتها·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل