بكثير من الدعاء وقليل من الكلام تنتظر الجدة وفاء عودة حفيدها في كل يوم من الصباح إلى أن يبدأ الليل بنشر سواده، وحده الدعاء أنيس جلساتها يُصبّرها وينصر وحدتها. البعض قال لها إن عباس ذاهب في زيارة لأحد المقامات الدينية في إيران وأن غيبته لن تطول، إلاّ أن ذلك كان منذ أكثر من شهرين، واليوم تسأل عنه بعضاً من رفاق الدرب لكن لا جواب شافياً يُثلج قلبها ويُطفئ ناراً حرقتها وبما أن الشكوى لغير الله مذلّة فوّضت أمرها إليه وقرّرت أن تنتظره عند العتبة رغم يقينها المطلق أن عباس ذهب إلى سوريا.
صباح السبت الفائت جلست كعادتها تنتظر حفيدها بعد صلاة طالت ركعاتها متوجهة إلى واحد أحد تشكو اليه أمرها وتسأله أن يُعيده إليها وإذ بصوت منادٍ يصدح عبر مُكبرات مسجد البلدة “بسم الله الرحمن الرحيم من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً”. تُخبر الحاجة وفاء عن أصعب لحظة مرّت بها، فقد توقفت حياتها بين قراءة الآية وإذاعة الخبر المُنتظر قبل أن يعود ويُكمل القارئ “بمزيد من الفخر تنعى بلدة كونين ابنها الشهيد حسين عصام شبلي الذي استشهد أثناء قيامه بواجبه الجهادي حيث سيوارى في الثرى اليوم قبل صلاة الظهر”.
“يا أرض حمليني وخديني لعند عباس” جملة رددتها الجدة وأنشدتها بصوت عذب ولحن حزين، “حسين كان صديق عباس وأكيد بيعرف عنّو شي”، ولذلك توجهت إلى منزل أهله علّها تلتقط إشارة عن حفيدها لكنها فوجئت بعد مرور أقل من ساعة على وجودها أنها ليست الوحيدة التي تنتظر حفيدها، فهناك أمهات لم يرين أبناءهن منذ ما يزيد على خمسة أشهر وربما أكثر. وتُخبر الجدة حكايات سردتها بعض الحاضرات عن الشبان الذين ذهبوا للقتال في سوريا. قصص أغرب من الخيال لم تسمع بها من قبل إلى درجة جعلتها تظن أنها غريبة عن البلدة.
تُخبر الحاجة عن امرأة روت، أن “حزب الله” أعاد إليها ولدها من دون العينين جرّاء قذيفة سقطت داخل الموقع الذي كان يتحصّن فيه مع مجموعة من الشباب، وتُخبر المرأة نفسها المأساة التي يعيشها ولدها وكيف أنه يتمنى الموت ألف مرّة في اليوم على أن يُكمل بقيّة حياته وهو في حالته هذه، وأنها مستعدة مع عائلتها للتبرع له بأعينهم لقاء أن يعود إليه بصره خصوصاً أنه يرفض التأقلم مع وضعه الجديد إضافة إلى أنه يُحمّل قيادة الحزب مسؤولية ما حدث له ويطالب المسؤولين بإيفاده للخارج علّهم يفلحون في إعادة ولو بصيص من نور افتقده.
وتُخبر الجدة نقلاً عن إحدى السيدات اللواتي كنّ يتواجدن في منزل والدي شاب من آل كنج، عن لحظات مأسوية عاشتها هي وعائلتها يوم دعاهم مسؤول في الحزب لإلقاء النظرة الأخيرة على ولدها الذي كانت وصلت جثته إلى مستشفى الرسول الأعظم في بيروت، فتصف المشهد بالمروّع، مشهد لن يُمحى من ذاكرة كل من كان متواجداً داخل المستشفى في ذلك اليوم، صراخ الجرحى وأنينهم، قتلى توزعت جثثهم بين الغرف، الأطباء كانوا في حيرة من أمرهم، وحدها حقن المورفين كانت الحل في تلك اللحظات، وتقسم أنها شاهدت بأمّ العين كيف طردت إدارة المستشفى المرضى المدنيين وجعلتها للمصابين من “حزب الله” في القصير.
روايات كثيرة عادت بها الجدة من منزل والدي الشاب لكن ورغم مرارة كل من تلك الروايات إلا أن مصيبتها لم تهن عليها، فهي مصرّة بالبحث عن عباس “ولو اضطرني الأمر الى زيارة السيد حسن نصر الله وسؤاله عن مصير حفيدي”. وإلى أن تظهر في سمائها إشارة تُنبئ بمصير المجهول الذي تبحث عنه، سوف تخرج صباح كل يوم لتجلس على عتبة منزلها لتدقّق في السيارات العابرة وتُراقب المارّة وتنظر في عيونهم علّها تجد فيهم ضالتها.