#adsense

عندما يستظل “الممانعون” اللبنانيون بما يعتبرونها “انتصارات”!

حجم الخط

لم يعد مفهوماً هذا العمى الكامل لـ “الممانعين”، في الرؤية كما في الرؤيا، ازاء الكارثة السورية المتواصلة لأكثر من عامين ونصف العام حتى الآن. وعندما يكون هؤلاء لبنانيين، وحتى “مقاومين” كما يقولون، بما يعني أنهم على تماس مباشر مع سوريا والنازحين منها الى لبنان (مليون ونصف انسان حتى الآن)، يكون هذا العمى غير مقبول من أية زاوية انسانية أو حتى سياسية نظر اليه.

فلا يرى “الممانعون” اللبنانيون في ما تشهده سوريا الآن سوى ما يعتبرونها “انتصارات” يحققها نظام بشار الأسد على معارضيه، و”هزائم” هؤلاء نتيجة الاشتباكات التي تجري بين “الجيش الحر” و”الدولة الاسلامية في العراق والشام” أو بين هذه وتلك من المجموعات المسلحة. وهكذا، فليس في سوريا أكثر من مئة ألف قتيل ومئتي ألف معتقل من “الأشقاء”، ولا نحو ثمانية ملايين نازح في الداخل والخارج، ولا نصف عدد السكان البالغ ثلاثة وعشرين مليوناً في حاجة الى مساعدة عاجلة بحسب آخر تقرير للأمم المتحدة، ولا بعد ذلك كله تدمير معظم مدن وبلدات وقرى البلد “الشقيق”، ودخوله مرحلة تساؤل جدي حول وحدته ومستقبله في اللعبة التي يواصله نظامه بدعوى ما يسميه، ومعه “الممانعون” و”المقاومون”، حرباً كونية ضده… “لعبة الأمم” التي باتت تهيمن عليه بشكل شبه كامل.

لا يرى هؤلاء مأساة الأطفال والنساء والشيوخ وأيديهم الممدودة طلباً للمساعدة في شوارع بيروت وغيرها من المدن اللبنانية، ولا يسمعون أنينهم في الأزقة وتحت الخيام وبيوت الصفيح والكرتون التي يظنون أنها ستقيهم مطر الشتاء وصقيعه. كل ما يرونه ويسمعونه لا يخرج عن السياسة في شيء… وهي هنا ما يتعلق بالكون على اتساعه، وتالياً مقولات “الممانعة” و”المقاومة” والوقوف في وجه “الاستكبار العالمي” و”مشروع الشرق الأوسط الجديد” وما يتصل بذلك من أسلحة وذخائر وقذائف وأصناف صواريخ الخ…

أكثر من ذلك، لا يعني هؤلاء شيئاً أن تنعكس الكارثة السورية كارثة أخرى على لبنان وشعبه، ان على صعيد الاقتصاد والمال والعمالة والصحة والتربية والتعليم ومستلزمات الحياة الأخرى وحتى الأمن. فليس لبنان، في رأيهم، الا جزءاً لا يتجزأ من المعركة الكبرى، وعليه بالتالي أن يتحمل نصيبه من العبء الذي تفرضه معركة كونية مصيرية من هذا الطراز.

لكن الجديد خلال الأسبوعين الماضيين، هو الصخب والصراخ اللذان لا سابق لهما وميزا “الممانعين” هؤلاء حتى عن “أهل الولد” كما يقال في الأمثال الشعبية. و”الولد” هذه المرة هو تراجع الرئيس الأميركي باراك أوباما عن توجيه ضربة عسكرية للنظام السوري من جهة، والاتصال الهاتفي الذي أجراه أوباما بالرئيس الايراني حسن روحاني لدى وجود الأخير في نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة من جهة ثانية.

فقد اعتبروا أن “انتصارات” بشار الأسد على معارضيه (أي غالبية الشعب السوري) ليست شيئاً اذا ما تمت مقارنتها بانتصاره على رئيس أقوى وأعظم دولة في العالم. ذلك أن الأسلحة الكيميائية التي “تبرع” الأسد باعلان نزعها على طريق تدميرها لاحقاً، كانت عبئاً عليه وعلى نظامه الذي يتحين الفرصة لكي يتخلص منها، فضلاً عن تكلفة التدمير التي تزيد عن مليار دولار… الى أن جاء طلب أوباما واقتراح رئيس روسيا فلاديمير بوتين اللذان شكلا هذه الفرصة، ومن دون دفع ليرة سورية واحدة!.

أما النعوت التي أطلقوها على هذا “الانتصار”، فتراوحت بين القول انه كان “بالنقاط” تخفيفاً من الوقع الذي يمكن أن تلحقه بالناس البسطاء، أو “بالضربة القاضية”، أو بجعله أوباما “يقف عند حده” ليس الآن فقط انما في المستقبل أيضاً، أو أقله بانتشاله من مأزق وضع نفسه فيه في مواجهة روسيا والصين و”دول البريكس” من جهة، ومواجهة شعبه الأميركي والرأي العام الدولي والكونغرس من جهة أخرى. وفي ظن أحدهم، أن أوباما لا بد أنه “تعلم الدرس” ولن يلجأ الى تكرار تهديداته العسكرية لا في المستقبل القريب ولا بعد ذلك!.

وفي السياق، استخدمت عبارات وكلمات يخجل المرء من التلفظ بها أو حتى سماعها، وان تكن كلها تحت عنوان “فطنة” الأسد في اكتشاف ثم احباط “المؤامرة” التي كانت ساحتها غوطة دمشق وجريمتها الكيميائية على الطريقة نفسها التي تحدثت عنها المستشارة بثينة شعبان… لكن هذه المرة من دون الوصول الى اتهام أوباما بأنه هو الذي زود المعارضة بالسلاح الكيميائي لارتكاب المجزرة ثم التهديد بتوجيه ضربة عسكرية للنظام على خلفيتها.

والحال نفسها كانت بالنسبة الى “هرولة” أوباما وراء سيارة روحاني المتجهة الى المطار، متوسلاً الحديث اليه هاتفياً ولو لثوان معدودة، و”تنازل” الرئيس الايراني بالرغم من ادراكه رفض الرأي العام في ايران لمثل هذا “التنازل” عن كبريائه الوطني، وما يعنيه ذلك من “هزيمة” كاملة للولايات المتحدة والغرب عامة في مواجهة ايران ومحور “المقاومة والممانعة” كله.

.. وفي هذا السياق، كما هي العادة، “الهزيمة” الكاملة والنهائية للمراهنين في لبنان كما في غيره من الدول العربية على امكان هروب “الاستكبار العالمي” والنجاة بجلده (هذه الكلمة استخدمت فعلاً) أمام الهجوم الذي تشنه قوى الخير والتحرر في المنطقة على قوى الشر في العالم.

هل هو مجرد عمى لدى “الممانعين”، في الرؤية والرؤيا على السواء، أم هو البحث عن “انتصار” ولو كان وهمياً، ما شهدناه في الأسبوعين الماضيين بعد تراجع الضربة العسكرية للنظام في سوريا وزيارة الرئيس الايراني للأمم المتحدة وحديثه الهاتفي مع أوباما؟.

أغلب الظن أنه الحلم بتحقيق “انتصار” ما، أي “انتصار”، ومحاولة ترجمة ذلك في الداخل اللبناني بعد أن انكشف المخبوء في “الممانعة” كما في “المقاومة”… من سوريا الى ايران الى العراق ولبنان، وصولاً الى “حماس” في غزة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل