"برنامج" قوى 8 آذار.. لما بعد الانتخابات فقط!!
أيا يكن "البرنامج" الذي يمكن أن تقدمه أطراف 8 آذار الى اللبنانيين، لتخوض على أساسه الانتخابات في 7 حزيران، فلا بد من القول إن برنامجها لما بعد الانتخابات هو الذي يطرح حاليا، وبالقوة التي تستدعي من الناخبين ـ قبل أن تستدعي قوى 14 آذار ـ ايلاءه ما ينبغي من اهتمام… ان لم يكن استعدادا للمواجهة الآتية لا محالة، فأقله للنظر الى العملية الانتخابية في حد ذاتها بوحي منه وفي ضوئه.
أول من طلع علينا بملامح هذا " البرنامج " كان الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في خطابه بذكرى المولد النبوي الشريف، ليردد صداه بعد ذلك بأيام رئيس "التيار الوطني الحر" العماد ميشال عون، ثم ليحدد بعض ما بقي ملتبسا فيه في فترة لاحقة نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم.
أعلن السيد حسن ان ما بعد الانتخابات لن يكون مختلفا في شيء عما كان قبلها حتى لو بقيت قوى 8 آذار أقلية في مجلس النواب، لأنها أقلية في الوقت الحالي، وأن ما يهمه في النهاية هو الدعم الشعبي الواسع الذي حظيت به هذه القوى في السابق، وما تزال حتى الآن، وستبقى في المستقبل كذلك، في ما يتعلق بمشروعها "المقاوم" و"الممانع" للبنان. وقال العماد عون ان حكومة ما بعد الانتخابات لا بد أن تشكل على قاعدة "النسبية" في عدد الأصوات التي ينالها كل حزب أو تيار، وليس عدد النواب الذين يأتي بهم الى المجلس، تجسيدا لما وصفه بالتمثيل الشعبي لهذا الحزب أو ذاك التيار. أما الشيخ قاسم، فحدد بوضوح، أن الانتخابات قد تحدث تغييرا في مواقع بعض القوى لكنها لن تغير مطلقا في "مواقع التأثير"، وأن أحدا لن يستطيع، بانتخابات أو من دون انتخابات، أن يعيد عقارب الساعة الى الوراء بعد أن حققت "المقاومة" والقوى الحليفة لها ما حققته لجهة تحرير الأرض أو لجهة تأكيد وجودها على الساحة السياسية اللبنانية.
واذا، فهذا هو "برنامج" قوى 8 آذار لما بعد الانتخابات النيابية المقبلة. "برنامج" واضح الى أبعد حد، وبثلاثة أصوات قيادية، في اعلانه جملة من الأمور على الشكل الآتي :
أولا = ان الانتخابات تستطيع أن تكون استحقاقا دستوريا يجري مرة كل أربع سنوات، وأن يفوز بها نواب يدخلون الى المجلس ولا يفوز آخرون فيخرجون منه. كما تستطيع، بالنتائج التي تسفر عنها، أن تشكل أكثرية وأقلية في المجلس، بما يترك (ربما ؟!) بصمته على شكل الحكومة التي تنبثق عنه. غير أن ذلك لا يعدو كونه عملية بيروقراطية، وحتى بحت شكلية، ليس من شأنها أن تحدث أية تغييرات في الوضع القائم على الأرض ـ السياسي والاقتصادي والأمني والعسكري ـ ولا حتى في التوجهات التي يفترض بالناخبين، أصحاب القضية والبلد الفعليين، أن يكونوا قد عبروا عنها وهم يدلون بأصواتهم لصالح هذا النائب أو ذاك أو لصالح هذه القوة السياسية أو تلك.
وبغض النظر عما اذا كان في هذا "البرنامج"، كما يعتقد كثيرون، اقتناع ضمني من قوى 8 آذار بأنها لن تكسب الانتخابات، وأنها تاليا لن تستطيع أن تغير ـ كما كانت تتمنى ـ موازين القوى داخل المجلس، فلا ريب في أن ما تحاول أن تجعله أمرا واقعا الآن، وقبل الانتخابات، كانت ستكرسه قانونيا من خلال المجلس الجديد في ما لو استطاعت "اكتساح" الانتخابات… كما كانت تردد غداة السابع من أيار الماضي!.
ثانيا = ان الانتخابات، في منطق هذا "البرنامج"، تجري بحسب النظام الأكثري في احتساب أصوات الناخبين، لكنها تتحول الى النظام النسبي لدى تشكيل الحكومة وربما لدى التصويت على الثقة بها أيضا!). أكثر من ذلك، فاذا مشينا مع هذا المنطق الى نهايته، لا تقف النسبية عند حد احتساب العدد الاجمالي للأصوات التي نالها هذا النائب أو ذلك الحزب، بل تتعداه الى عدد الأصوات التي نالها من هذه الطائفة أو ذلك المذهب.. وصولا ربما الى ذلك "الكانتون" القابع في ذهن ذلك النائب أو الحزب.
بهذا المعنى، يمكن لـ"حزب الله" أو لحركة "أمل"، على سبيل المثال، مصادرة حق تمثيل طائفتهما في الحكومة انطلاقا من كون الطائفة قد اقترعت لنوابهما بأكثرية كبيرة نسبيا، كما يمكن لـ"التيار الوطني الحر" بدوره أن ينتزع حصة كبيرة من التمثيل في الحكومة لمجرد أنه نال نسبة وازنة من أصوات المقترعين… بصرف النظر عن عدد النواب الذين يمثلونه في المجلس.
وبهذا المعنى أيضا، يمكن لأي من الأطراف الثلاثة هذه أن يضع "فيتو" على أي مرشح من طائفته أو مذهبه، أو حتى من أكثريته الشعبية، لتولي أي منصب وزاري.. أو حتى اداري من الفئة الأولى التي تحتاج الى موافقة أكثرية الثلثين في مجلس الوزراء.
ومن يدري، فقد يكون علينا تحضير النفس منذ الآن لعودة معزوفة "الأكثرية الوهمية"، ولكن هذه المرة تحت عنوان ".. كذا في المائة" من أصوات ناخبي الطائفة، أو المذهب، أو البلدة، أو الحي، بعد النغمة السابقة التي كانت تعزف وفق نوتة "التحالف الرباعي"!.
ثالثا = ان كلمة "المشاركة" أو "المشاركة الحقيقية"، التي تجري على لسان قادة 8 آذار بين فينة وأخرى، لا تعني في حقيقتها سوى أن يقبل "المشاركون" وليس "الشركاء" (فضلا عن الشركاء في الوطن) بالأمر الواقع هذا من دون أي بحث أو نقاش.
واذا كان نموذج ذلك قد قدم مرتين للآن على الأقل، احداهما عبر انتزاع "الثلث المعطل" بالقوة عندما توفرت الظروف ـ غداة 7 أيار و"اتفاق الدوحة"، وثانيتهما من خلال التمسك به وبتداوله بين أية أكثرية وأقلية نيابية، فانه ـ في "برنامج" ما بعد الانتخابات هذا ـ يصير قاعدة حكم مفترضة، بل و"مفروضة" كأمر واقع.. ولو على حساب الدولة التي لا تكون موجودة اذا الا على الورق، وعلى حساب الحكومة التي لا تحكم الا عندما يتوفر الاجماع شبه المستحيل.
لا حاجة بقوى 8 آذار، أو بقيادتها الفعلية "حزب الله"، لاصدار برنامج سياسي ـ اقتصادي ـ اجتماعي ـ تنموي الخ… تخوض على أساسه الانتخابات المقررة بعد شهر ونصف الشهر من الآن، فضلا عن أن تدعو الناخبين اللبنانيين الى ابداء الرأي به من خلال الاقتراع أو عدم الاقتراع لمرشحيها على هديه.
لقد قدمت برنامجها "التنفيذي" لما بعد الانتخابات، وهو ذاته برنامجها للسنوات الماضية من دون تعديل أو تبديل: "برنامج الأمر الواقع"!!
.. ويبقى على اللبنانيين، ناخبين وغير ناخبين ـ خاصة من الشباب الذين تلقوا "بشرى" أنهم سيمارسون هذا الحق لكن بعد سنوات ـ أن ينتظروا فقط مرحلة ما بعد الانتخابات، ليروا الى أين يسير بلدهم.
لأنه، اذا كان لمثل هذا "البرنامج" أن يوضع قيد التنفيذ فعلا، فلن يكون في وسعهم الا تذكر الشطر الثاني من بيت الشعر العربي القديم:… فانعم بطول سلامة يا مربع!!