ما كان متاحاً أمام عدد كبير من اللبنانيين، تعليم أولادهم في مدارس خاصة، وان كانت بمستوى متوسط، لم يعد متوافراً اليوم. أهالي كثر قرروا عن اقتناع أو اضطراد نقل أولادهم الى المدرسة الرسمية. ولعل هؤلاء اللبنانيين الذين يصنفون في الطبقة المتوسطة، باتوا على خط الفقر، ولم تعد قدراتهم ووظائفهم تسعفهم في مواجهة كلفة التعليم التي ترتفع سنة بعد سنة، فيما الإمكانات والقدرات المعيشية تتراجع، وتنعدم الفرص، لتدفعهم الى تعديل خياراتهم في قضايا كثيرة، خصوصاً في مجال التعليم.
وليس التعليم الرسمي مرتبطاً بالضرورة بالذين يعيشون على خط الفقر، لكن النظرة الى هذا التعليم مع النكسات التي تعرض لها منذ الحرب، جعلت قسماً من اللبنانيين ينظرون اليه بدونية، أو على الأقل يعتبرونه تعليماً غير منتج. لكن للتذكير أن غالبية اللبنانيين من الطبقة المتوسطة، قبل الحرب التي عصفت بالبلد، كانوا يسجلون أولادهم في المدرسة الرسمية، خصوصاً في التعليم الثانوي الذي نافس في عصره الذهبي أرقى المدارس الخاصة. أما اليوم، فلنعترف أن عدداً كبيراً من الأهالي يسجلون أولادهم في الرسمي، اضطراراً، لا سيما في هذه المرحلة الصعبة، التي يضغط فيها اللجوء السوري على كل القطاعات، خصوصاً في التعليم، ما يجعل المدرسة الرسمية مكاناً لجمع التلامذة اللبنانيين والسوريين، من دون الاعتبار لمكانة التعليم وجودته.
لكن إخراج اللبنانيين أولادهم من مدارس خاصة، سببه أيضاً، زيادة أقساط، وملحقاتها، من التأمين الى القرطاسية، فمصاريف غير ملحوظة في بعض المدارس، ما يرفع الأقساط، التي سترتفع حكماً مع دفع زيادة غلاء المعيشة للمعلمين. وهذا يعني أن أكثرية الأهالي لن يكون في مقدورهم تلبية متطلبات كلفة التعليم المرتفعة، حتى في المدارس الخاصة المجانية، بمستوياتها المختلفة، المؤسساتية منها والإفرادية، والتي باتت غير قادرة هي أيضاً أو بعضها على الاستمرار، مع حجز مستحقاتها عند الدولة، وارتفاع ديونها، حتى ان عدداً منها تابع لجمعيات عريقة قد أقفل أبوابه، وترك المعلمين والتلامذة عرضة لكل الاحتمالات.
إذاً، هذه السنة، نحن امام تغيرات بنيوية، تتعلق بالتعليم. مدارس خاصة ترتفع اقساطها، وتصبح مخصصة لفئة ميسورة من اللبنانيين، ومدارس أخرى لا تزال تحتضن أبناء الطبقة المتوسطة، فيما المدارس الخاصة المجانية تغالب مصارعة للبقاء، ولا يزال بعضها يضم عدداً من متوسطي الحال، فيما المدرسة الرسمية تجمع الأكثرية الذين يعيشون على خط الفقر وتحته. هذا يعني اننا أمام مرحلة جديدة، لا تقتصر على التعليم ما قبل الجامعي فحسب، ما يتطلب اعادة نظر في كل قوانين التعليم، والشروع في ورشة اصلاحية، لإعادة الاعتبار أولاً للتعليم الرسمي ومدارسه، ثم تنظيم التعليم الخاص وكلفته، وحل مشكلات المعلمين، قبل أن ندخل في نفق يصعب الخروج منه…