أبعد من قرارات حراس الدولة الأمنية
أمس كان يوم الحشر في بيروت وعلى مداخلها. الطرق تختنق بسيارات شبه متوقفة. الناس متروكة لقدرها من دون سابق انذار ولا إرشاد. والسبب هو الاجراءات الأمنية لضمان السلامة في التنقل وحماية الأمن في الإقامة لوزراء الأمن العرب. وهذا، في المبدأ، من واجبات لبنان البلد المضيف لمجلس وزراء الداخلية العرب في دورته السادسة والعشرين. لكن المبالغة في الاجراءات الأمنية تجعل ما هو ضروري مضراً. فلا هي دليل على فائض الهيبة والقوة بمقدار ما توحي أننا في فائض الخوف والضعف. ولا (الاستلشاق) بأوقات الناس ومواعيدها ومصالحها هو أفضل تعبير عما سمته قرارات المؤتمرين التزام حقوق الانسان. ولا الاعتذار المتأخر عن الإزعاج يغسل (الشتائم) التي انطلقت من نوافذ السيارات.
ومن المهم أن يقرر الوزراء (تطوير استراتيجيات) لتفعيل (العمل الأمني العربي المشترك). فالتعاون (التقني) بين وزارات الداخلية تفرضه تحديات الجريمة المنظمة والتزوير والارهاب وحتى (الأمن السياحي) و(السلامة المرورية). والتعاون (السياسي) تفرضه تحديات أخطر. لكن الأهم هو أن يكون العمل الأمني العربي في اطار الأمن القومي العربي الذي يحتاج الى رؤية مشتركة للمخاطر الخارجية وتوافق وإمكانات للمواجهة، وليس فقط الى مصالحات سياسية مطلوبة ومحمودة. وهذا لا يزال شبحاً يطوف من قمة عربية الى أخرى على أمل أن يصبح حقيقة في كواليس السياسات العليا وعلى المسرح.
ذلك أن استراتيجية (السلامة المرورية) تقابلها على الحدود بين البلدان العربية تاكتيكات العرقلة لحرية المواطنين العرب وحقهم في التنقل. والترجمة العملية لحقوق الانسان في معظم الدول العربية مقروءة بوضوح في مكان واحد: جدران المعتقلات. فالمهمة الأساسية لوزراء الداخلية هي أمن الأنظمة. أما الأمن القومي العربي، فإنه أسير الخلافات أو أقله الاجتهادات. وهو، في أية حال، ليس مجرد أمن الأنظمة، ولا حتى حصيلة الجمع بينها، بل شيء أكبر وأبعد وأعمق. وشرطه الأول أن ينتقل العرب من بناء الأنظمة الى بناء الدول.
والكل يعرف ان امام العرب اليوم ثلاثة نماذج للدولة: الدولة الامنية، الدولة الدينية، والدولة المدنية. الاولى هي الغالبة. والثانية هي شعار القوى المتطرفة الأصولية. والثالثة هي الغائبة. واذا كان وزراء الداخلية هم حراس الدولة الامنية التي تقاتل المتطرفين لمنعهم من اقامة الدولة الدينية، فان الحواجز في وجه الدولة المدنية كبيرة ومتعددة.
وليس امراً قليل الدلالات ان ترافق اجتماع وزراء الداخلية جريمة خطيرة هي اغتيال رجل المصالحات، نائب عباس زكي اللواء كمال مدحت. فهي، سواء حدثت بالصدفة أو بالتوقيت المقصود، (رسالة) الى الوزراء. وهي تذكير بأن الأمن في لبنان أخطر مما نتصور.