#adsense

قدسيّة الرئاسة… في ثباتها

حجم الخط

النموذج-المثال الذي شَكّله الرئيس فؤاد شهاب عائد لسببين لا يقلّ أحدهما أهمية عن الآخر: بناء دولة المؤسسات الحديثة والعصرية، واحترام روح الدستور، لا فقط نصّه، عبر رفضه التجديد الذي قدم إليه بشِبه إجماع نيابي وسياسي وشعبي لم يتوافر لأيّ رئيس جمهورية آخر.

فقدسية الرئاسة تبدأ باحترام المهل والنصوص الدستورية، وهيبة الرئاسة تبدأ مع تضمين خطاب القسم الالتزام برفض التمديد أو التجديد تحت أي ظرف من الظروف، ما يقطع الطريق باكراً على أي مساومة أو تنازل من أيّ نوع كان.

ولكن، ويا للأسف، التمديد في النظام اللبناني يكاد يصبح عُرفاً، والناس تكاد تفقد مناعتها حيال هذا الانتهاك المتواصل للدستور نيابياً وعسكرياً ورئاسياً، في ظل وجود قناعة راسخة لدى معظم اللبنانيين بأنّ السعي إلى التمديد بات القاعدة، لا الاستثناء. وهذه الصورة بالذات التي على الرئيس ميشال سليمان تبديدها بجَعل التمديد عيباً وطنياً كونه يقوّض ركائز النظام الديموقراطي وأسسه. ومسؤولية الرئيس لا تكمن في تأمين خلف له، إنما بممارسة صلاحياته حتى اللحظة الأخيرة من ولايته، وتحميل الطبقة السياسية مسؤولية الفراغ في الرئاسة الأولى.

وإذا كان من مسؤولية على الرئيس في تأمين الخلف، فتكون فقط في إصراره القاطع والحازم على رفض التمديد، الأمر الذي يفتح الباب أمام البحث الجاد بانتخاب رئيس جديد للجمهورية. ومن مسؤولية الرئيس أيضاً عدم ترك المبادرة الرئاسية بيَد الناس عبر تخييرهم بين السيىء والأسوأ، أي بين التمديد والفراغ، الأمر الذي يجعلهم يقبلون بالتمديد تجنّباً لكأس الفراغ، إنما يتوقف عليه وحده المبادرة بعدم التمديد.

إنّ أيّ موقع يستمد قوته من مبدئيته بالدرجة الأولى، ومن ممارسته بالدرجة الثانية. ويجب التمييز دوماً بين المواقف السياسية والمواقف المبدئية. وهالة بكركي مَردّها إلى تمسّكها بثوابت ومسلمات وطنية لا يمكن أن تتزحزح عنها، وتتصِل بقضايا لبنانية عابرة للطوائف وبعيدة كل البعد عن الغايات والأطماع الشخصية، ما جعلها مُنزّهة وجعلَ لِوَقع مواقفها تأثيراً واسعاً وكبيراً.

والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لا تقتدي بعبدا ببكركي؟ فقوّة بكركي ليست بصواريخها أو صلاحياتها، إنما بمواقفها المبدئية الصريحة والواضحة. والدور الذي أدّاه سليمان في السنتين الأخيرتين أثبت أن المسألة مسألة مواقف لا صلاحيات. وقوّة بكركي تكمن في أنها ليست رهينة لدى أحد، وأسوأ ما في التمديد أنه يجعل الرئاسة رهينة القوى السياسية.

ومهمّة سليمان أن يجعل الرئاسة الأولى هي القدوة لسائر المؤسسات الدستورية، ويجعل من الموقع المسيحي الأوّل في النظام المَثل والمثال لجهة التقيّد بأحكام الدستور والتمسّك بالديموقراطية وتداول السلطة، وهذا يدخل تحديداً في صُلب دور المسيحيين المتصِل بتعميم ثقافة التنوّع والتعدد والحرية والديموقراطية والسلام، لأنه من دون هذه الأقانيم الخمسة لا استمرارية لوجودهم وحضورهم ودورهم.

وإذا كان الخيار بين الفراغ والتمديد، فنعم للفراغ بُغية فَضح الفريق السياسي الذي يستهدف المسيحيين والدولة، وتحويل الانتخابات الرئاسية إلى محطة وطنية لمواجهة هذا الفريق ومخططاته الخارجية السورية-الإيرانية.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل