مسار طويل لتثبيت إشارات التهدئة الإقليمية
سوريا أمام امتحان لترجمة انفتاحها
تلقف لبنان بسرعة اشارات التهدئة العربية والحوارات الجارية بين واشنطن ودمشق من جهة، وبين العواصم العربية والنظام السوري من جهة اخرى. وقد انعكست بداية الحوارات العربية تطبيعا للهدوء الذي أعقب حوادث 7 ايار، فبدأ التحضير للانتخابات النيابية بعصا سحرية، اظهرت ان لبنان مقبل على فترة انفراج سياسي وان القوى السياسية وضعت كل الانقسامات خلف ظهرها لتقبل على الانتخابات بكل ديموقراطية.
وبقدر ما هي كبيرة جرعة الآمال هذه، تكثر تساؤلات سياسيين مطلعين عن المنحى الذي انخرط فيه لبنان بعد اتفاق الدوحة وصولا الى القمة العربية المقررة نهاية الشهر في الدوحة ايضا. فالقمة العربية تشكل الاطار الذي ستتبلور فيه آفاق التهدئة العربية، وما ستؤول اليه الشروط الموضوعة لتكريس التهدئة على خط لبنان وفلسطين. فالتهدئة مسار طويل لا يبنى بلحظة، لانه قد ينهار بلحظة ايضا، ولعل هذا هو السبب الذي يجعل هؤلاء السياسيين يتعاملون مع الانفراجات الواسعة بحذر كبير.
في احد اللقاءات السياسية بين ركنين من 14 آذار، دار حديث مطول عن السبب الذي جعل حوادث 7 ايار بكل ما كانت تحمل من سلاح وتنظيم، تقف في لحظة واحدة عند اعتاب الجبل وعند محيط كليمنصو وبعض البقع السياسية التي تحمل دلالات خاصة. لم تخلص المناقشة الى تبيان دقيق وعملي للاسباب التي حالت دون تخطي فريق المعارضة الخطوط الحمر، وكشف الورقة المستورة التي اوقفت حوادث 7 ايار. فاللحظة نفسها تكررت في الدوحة، حيث كبرت مفاجأة اكثر المتورطين في النقاشات السياسية التي دارت في اجنحة فندق الشيراتون، بسلوك الحوارات مسلك التهدئة، وهو ما كان وعد به الوفد القطري خلال لقاء مع احد اركان الاكثرية قبل الذهاب الى الدوحة.
يستعيد سياسيون هذه الحوادث ليطلوا بها على المشهد الحالي الذي يدور حول الانتخابات النيابية التي يتم الاستعداد لها على وقع الحوارت العربية، الى حد القول انها ستنحسب على تشكيل اللوائح التي ستكون نسخة شبيهة بالاتفاق الذي جرى في الدوحة على دائرة بيروت الثانية، مما يعني تشكيل لوائح ائتلافية بالحد الادنى وتبادل مقاعد، على طريقة" لا يفنى الذيب ولا يقتل الغنم".
ولكن بقدر ما يذهب البعض الى اقصى التفاؤل بمسار التهدئة، فان ثمة طيفا من الحذر والشك لا يزال يخيم على القوى السياسية استنادا الى بعض الاشارات الاقليمية، المتعلقة سوريا وايران. واولى هذه الاشارات الرد الايراني الفاتر على رسالة الرئيس الاميركي باراك اوباما الى الشعب الايراني لمناسبة عيد النوروز.
وعلى رغم الانفتاح السعودي على سوريا بالحد الذي فك عزلتها عربيا، لا يزال الجانب المصري على شكوكه من استجابة النظام السوري لكل تعهداته في شأن لبنان وفلسطين. والملف الفلسطيني بالنسبة الى مصر حيوي، وهي ترعاه لحظة بلحظة، ولم تتخط بعد الانعكاسات التي خلفتها حركة "حماس" في الشارع المصري، ولا كلام الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله ضدها على وقع حرب غزة. وقد نشر تقرير امني غربي كلاما حرفيا للرئيس حسني مبارك، يوجه فيه الى الاسد كلاما شديد اللهجة في اثناء لقاء الرياض في 12 آذار حول عدم قطع سوريا امدادات "حماس"، ويعكس الى حد كبير ريبة مبارك في تجاوب سوريا مع المطالبة المصرية بعزل حماس وترويضها لضمها الى حكومة الوحدة الوطنية بعد سحب الاوراق العسكرية والامنية من يديها.
وكما تنتظر مصر من سوريا الوفاء بالتزامتها، فان السعودية ايضا تترقب الموقف الايراني والسوري من الوضع اللبناني، وخصوصا بالنسبة الى استحقاق الانتخابات. ففي مقابل مسعى ايران وبعض الاجنحة العربية الى عدم تحويل قمة الدوحة قمة تطوق طهران، ثمة حرص واضح من السعودية ومصر على عدم السماح في اي حال بأن يتحول نجاح "حزب الله" في الانتخابات نصار مبينا على فريق الاكثرية. وهذا امر لا يحمل تأويلات، وقد حرص وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل بعد استقباله نظيره الايراني منوشهر متكي في زيارته الاخيرة للرياض، على التشديد على ان أي دعم ايراني للقضايا العربية يجب ان يتم عبر الشرعية العربية، مشيرا الى ان على اللبنانيين ان يعرفوا ان عدوهم هو في الخارج وليس في الداخل.
في المقابل، فان تشكيل الحكومة اليمينية في اسرائيل لا يوحي أي اشارت ايجابية تعطي بعض الاطمئنان حول استتباب الوضع في المنطقة. فصحيح ان رئيس الوزراء المكلف بنيامين نتنياهو يتجه الى استكمال المفاوضات غير المباشرة مع سوريا، لكن هذه المفاوضات لن تنحصر قطعا بالجولان فحسب، لان جدول اولويات نتنياهو مع سوريا سيختلف عن تلك التي وضعها رئيس الوزراء ايهود اولمرت. فالتقارير الغربية تتحدث عن ان اسرائيل تريد من سوريا اولا وقف مد "حماس" و"حزب الله" بالسلاح والمساعدات، ووقف دعمها لهما، قبل الشروع في اي مفاوضات جدية حول السلام بين الدولتين، والحوار حول عناوين ثنائية.
هذه الاشارات، توحي لبعض القوى السياسية في لبنان انه من المبكر الحديث عن تهدئة طويلة الامد، حتى لو جرت الانتخابات النيابية باقل الاضرار الممكنة. وخصوصا ان على لبنان ان ينتظر تباعا نتائج القمة العربية وشكل الحكومة الاسرائيلية واتجاهاتها الاقليمية، ومن ثم الانتخابات الايرانية، لتلمس تثبيت التهدئة على اسس اقليمية ثابتة، فلا تتحول الانتخابات النيابية مجرد محطة مفصلية في مسار لبناني متعرج ومحفوف بالمحطات الساخنة.