بدأ تدمير الأسلحة الكيميائية في سوريا وهي المرّة الاولى التي يُدمر فيها هذا النوع من السلاح في بلد عربي لا يزال معرّضاً في أي وقت لضربة تشل قدراته العسكرية وتمنعه من إستكمال عراضاته المتنقلة والفتّاكة التي تلاحق شعبه من ملجأ إلى آخر، وقد تشكلت بعثة دولية للإشراف على نزع هذا السلاح وفقاً لقرار صادر عن مجلس الامن بعد الموافقة التي أبدتها روسيا الحليف الأبرز للأسد والتي تُبقي نظامه صامداً أقله لغاية اليوم رغم المجازر والفظائع التي ما زال يرتكبها.
جملة خرجت عن لسان وزير الدبلوماسية الاميركية ألهبت مشاعر الأسد وأدخلت الى قلبه الطمأنينة ولو مؤقتاً، فقرر مرغماً المُضي في خنوعه نحو إزالة ترسانته القاتلة التي كان يختزنها لزمن الحشرة، فإذ به يستعملها ويفتك بشعبه ويحوّل الأطفال إلى جثث هامدة حاول بعضهم أن يسترق بسمة صغيرة وهو يصارع الموت قبل ان يلفظ أنفاسه الاخيرة في مشهد أعاد إلى الأذهان حروب النازية وتجربة حكم البعث في العراق مع أطفال حلبجة، ولذلك يحق القول إن نزع هذا السلاح اليوم من نظام قاتل سواء برضى منه أو لا وثناء الأميركي او غيره عليه، جميعها لن تسقط عنه تهمة الإجرام.
اتصالات ورسائل تطمينية للحلف “الممانع” خرجت من بلاد “الشيطان الاكبر”، الرئيس الاميركي باراك اوباما يتصل هاتفيّاً بنظيره الإيراني حسن روحاني ووزير خارجيته يُشيد بإلتزام الاسد، رسائل لم يرحب بها الولي الفقيه وتركت مبعث قلق وحيرة عند رجالاته في لبنان أصحاب النظرية القائلة بأن الإسرائيلي هو اميركي والعكس تماماً ما يعني أن الثناءات والإطراءات والإنفتاح الذي تدفق مرّة واحدة كان مصدره إسرائيل. وهنا يسترجع أحد “الممانعين” جملة شهيرة للفنان زياد الرحباني قالها في مسرحية “فيلم أميركي طويل”: “طيّب جينا نحنا والمقاومة والحركة الوطنية في خندق واحد، قلنا للعالم كله بدنا سلاح لنقاتلهن، اجو هني عطونا سلاح…. واجو قعدوا معنا بذات الخندق، طيب ضد مين منصفّي؟”.
بعض أقطاب الحلف “الممانع” في لبنان بدأوا يعترفون مؤخراً أن هناك موجة قادمة لا يمكن لأي جهة ان تقف في وجهها لأنها ستأخذها في طريقها ولذلك من الأفضل ممارسة سياسة النعامة إلى حين زوال خطر هذه الموجة، علماً أن سياستهم هذه تُدينهم ولا تنصفهم خصوصاً أمام جمهور ومحازبين سبق أن دعوهم للتحضّر إلى يوم يُطلب منهم إحتلال مدن وعواصم. وعندما تسأل بعض العناصر “الممانعة” قيادييّها عن إمكانية إنتفاء وجودها في حال تمت مصالحة أو أقله تهدئة أميركية -إيرانية، يُجيبون “بإمكاننا خلق الف عدو في اليوم الواحد فلا تكترثوا لكل ما يُقال حول مستقبلنا”.
لكن مجموعة أقطاب “ممانعة” أخرى بدأت تُشيع داخل أوساطها عن خلاف داخل الحلف الواحد حول نظرة كل فريق للأمور التي طرأت مؤخراً على الساحة السياسية الدولية ليبدو الأمر وكأن “الممانعة” قد إنقسمت إلى فرقتين واحدة متشددة يرأسها الامام الخامنئي وأخرى منفتحة تقرأ المستجدات والمتغيرات الحاصلة بكثير من العقلانية بقيادة كل من الرئيس روحاني ورئيس مجمع تشخيص النظام في ايران الشيخ هاشمي رفسنجاني صاحب الشخصية الدينية والسياسية الاكثر تأثيراً في الشعب الإيراني والذي دعا منذ أشهر قليلة شعبه إلى التخلّي عن إطلاق الشعارات والهتافات المُسيئة لأميركا مثل، “الموت لأميركا” أو وصفها بالشيطان الاكبر حتّى انه كان من أوائل الذين طالبوا روحاني بالإنفتاح على المملكة العربية السعودية كبادرة حسن نيّة بعدما شهدت العلاقات بين البلدين توتراً ملحوظاً في عهد الرئيس السابق محمود احمدي نجاد.
في لبنان حال من الترقب داخل صفوف “حزب الله” الممانع الاول إزاء ما يُطبخ على نار السياسة الإقليمية، فالحزب يُدرك تماماً أن أي طبخة قد تتم لن يكون له نصيب فيها، ولذلك فضّل التريّث وعدم التعليق على إتصال أوباما بروحاني ولا حتّى على إشادة كيري بإلتزام الأسد ويأتي ذلك في ظل عودة الحزب إلى إتباع الطريقة ذاتها التي كان يتّبعها مع تشييع قتلاه في سوريا حيث عادت السرّية لتُغطّي على طريقة دفنهم ولم يعد يُعلن عنهم كما درجت العادة خلال الأشهر الماضية إلا بعد مرور فترة وجيزة على سقوطهم. لكن الحزب ما زال يعوّل على قائده الأول في كل المحن التي يمر بها، فيُنقل عن قيادته قولها لكوادرها الحزبية في سياق طمأنتهم، “أن من يمتلك جيشاً مثل الحرس الثوري لا يمكن ان يخشى شخصاً مثل روحاني ولا أي قوّة في العالم”.