سايكس – بيكو لم يعد مؤامرة !
هل سقط مفهوم "المؤامرة" من اتفاق سايكس – بيكو في نظر الدولة السورية؟
لم يكن كافيا ان يرتفع العلم السوري على سارية امام مبنى في بيروت يحمل لافتة تقول: "سفارة الجمهورية العربية السورية". ولا كان كافيا ارتفاع العلم اللبناني على سارية في دمشق امام مبنى يحمل لافتة تقول "سفارة الجمهورية اللبنانية".
فلقد كان علم سوريا يرفرف في امكنة كثيرة وفوق الهضبات وعند المفارق في لبنان. على امتداد ربع قرن ايام الادارة السورية للبنان، اما العلم اللبناني فكانت حدوده عند نقطة المصنع حيث الحدود بين البلدين.
مع تسمية ميشال خوري سفيرا للبنان في دمشق ترنح مفهوم "المؤامرة" في النظرة السورية الى اتفاق سايكس – بيكو. اما بعد تسمية علي عبد الكريم علي، وهو صحافي سابق ورجل ودود سبق ان التقيته في الكويت، سفيرا لسوريا في لبنان، فلا بد من ان يكون مفهوم "المؤامرة" قد سقط وانتهى.
***
في الواقع، ان تاريخاً من الريبة والتشكيك والرغبة بعدم التسليم بأن لبنان دولة مستقلة وذات سيادة، قام دائما في دمشق، انطلاقا من مفهوم سوري قديم ان اتفاق سايكس – بيكو هو الذي سلخ لبنان عن سوريا، لذلك كانت سوريا تنظر الى الاتفاق المذكور كأنه مؤامرة. ولقد باتت هذه النظرة نافرة وحادة منذ وصول حزب "البعث" الى السلطة.
ولكن الامور في بُعدها التاريخي لا تتعلق بلبنان وحده. ففي نظر سوريا ان سايكس – بيكو اقتطع منها ايضا العراق وفلسطين وسلخ الاردن عن سوريا الكبرى التي كانت تعرف بـ"بلاد الشام" ايام العثمانيين.
ومع انهيار الامبراطورية العثمانية لم تكن هناك حدود تفصل بين الدول المشار اليها اعلاه. وبين تشرين الثاني من عام 1915 وايار من عام 1916 جرت مفاوضات الانتدابين البريطاني والفرنسي وتحديدا بين الديبلوماسي الفرنسي فرنسوا جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس بمعرفة سازانوف من روسيا القيصرية آنذاك. وبموجب هذه المفاوضات تم الاتفاق على ان تحصل فرنسا على الجزء الاكبر من الجناح الغربي من المنطقة، اي سوريا ولبنان وجزء كبير من جنوب الاناضول ومنطقة الموصل في العراق. اما بريطانيا فامتدت مناطق سيطرتها من طرف بلاد الشام الجنوبي متوسعا بالاتجاه شرقا لتضم بغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة بين الخليج العربي والمنطقة الفرنسية في سوريا. كما تقرر ان تقع المنطقة التي اقتطعت في ما بعد من جنوب سوريا وعرفت بفلسطين تحت ادارة دولية يتم الاتفاق عليها بالتشاور بين بريطانيا وفرنسا وروسيا. ولكن الاتفاق نص على منح بريطانيا ميناءي حيفا وعكار على ان تكون لفرنسا حرية استخدام ميناء حيفا. ومنحت فرنسا لبريطانيا بالمقابل حق استخدام ميناء الاسكندرونة الذي كان سيقع في حوزتها.
لاحقا، وتخفيفا للإحراج الذي اصيب به الفرنسيون والبريطانيون بعد كشف هذا الاتفاق ووعد بلفور، صدر كتاب ونستون تشرشل الابيض سنة 1922 ليوضح بلهجة مخففة اغراض السيطرة البريطانية على فلسطين. الا ان محتوى اتفاق سايكس – بيكو تم التأكيد عليه مجددا في مؤتمر سان ريمو عام 1920. بعدها اقر مجلس عصبة الامم وثائق الانتداب على المناطق المعنية في 24 حزيران 1922.
***
ومع مرور الزمن استقل العراق عام 1932، واستقل لبنان عن سوريا الكبرى عام 1943 قبل استقلال سوريا بثلاث سنوات اي عام 1946. كذلك استقل الاردن، وكان منطقة حكم ذاتي، عن سوريا عام 1948. ومع انتهاء مفعول صك انتداب عصبة الامم على فلسطين يوم 14 أيار 1948 انسحب البريطانيون عنها. ولكن في اليوم التالي اعلن قيام اسرائيل فوق اجزاء كبيرة من حدود الانتداب البريطاني على فلسطين وبدأ الصراع العربي – الاسرائيلي.
طبعا لقد عرف تاريخ العلاقات اللبنانية – السورية كثيرا من الازمات والتعقيدات، وخصوصا في اعوام الادارة السورية للبنان التي انتهت بانسحاب القوات السورية عام 2005.
الآن مع التبادل الديبلوماسي بين البلدين يمكن الافتراض ان صفحة جديدة من العلاقات القائمة على قواعد الندية الاخوية والمميزة يجب ان تبدأ. واذا كان التاريخ ايام العثمانيين قد خلا من الحدود، فان استقلال لبنان المعترف به دوليا وعربيا والذي سبق استقلال سوريا نفسها، يجب ألا يقل في واقعه ونهائيته ورسوخه عن استقلال العراق او الاردن او فلسطين في نظر سوريا.
ثم ان 83 عاما من الريبة والتشكيك تمثل حقبة كافية من المرارة المتقابلة والمتوازية بين بيروت ودمشق، يجب ان تنتهي لتبدأ مرحلة جديدة من الثقة والتعاون والمصالح المشتركة التي تستطيع اذا صفت النيات وصلحت السياسات ان تشكل نموذجا يحتذى في العلاقات العربية.
***
إن تبادل السفراء بين بيروت ودمشق اسقط صفة المؤامرة عن سايكس – بيكو، ولكنه يجب ان يُسقط اخطاء الماضي ومراراته، وما اكثرها، ليفسح في المجال امام بناء مستقبل افضل لشعبين شقيقين في دولتين مستقلتين.