بعد أشهر قليلة على سقوط مدينة القصير السورية في أيدي “حزب الله” والنظام السوري، كُشف منذ يومين عبر عدد من مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام عن شريط مصّور يحتوي على مشاهد قاسية يُظهر مجموعة من عناصر الحزب وهم يُنكّلون بجثث عناصر من المعارضة السورية ويُجهزون على جرحى آخرين كان يُمكن أسرهم في ما لو أراد العناصر ذلك، وهو الأمر الذي يكشف للمرة الأولى وبالدليل القاطع الطريقة التي يتبعها الحزب خلال حربه في سوريا.
مشهد من الداخل السوري قيل إنه جرى تصويره داخل مدينة القصير، مجموعة من خمسة عناصر أو ربما أكثر تابعة لـ”حزب الله” تتحدث بلهجة لبنانية تركن جانباً سيارة بداخلها قتلى وجرحى لعناصر سوريين معارضين، تُخرج هذه العناصر كل من بداخل السيارة وتُلقي به على الأرض، يصرخ أحدهم قائلاً “أنا أنا أنا” في إشارة إلى أنه يريد أن يبدأ بإطلاق الرصاص عليهم، أصوات لبعض الجرحى تتوسل العناصر عدم قتلهم، ثوان قليلة وينهمر الرصاص على الجرحى في مشهد وضع أكثر من علامة سوداء في تاريخ “حزب الله”. في تلك اللحظات ينتفض مسؤول حزبي ليظن المشاهد أنه جاء ليؤنّب عناصره لكن الصدمة عندما قال لهم “نحن نؤدي تكليفنا ولا نقاتل لأنفسنا، وهيدا الشي مش مقبول، فنحن نقتله في سبيل الله”.
لا شك بأن الشريط المسرّب قد أحدث بلبلة ونوعاً من الإرباك داخل صفوف قيادة الحزب وعدد من عناصرها وعلى وجه الخصوص داخل بيئتها وجمهورها الذي لم ينسَ كلام السيد حسن نصرالله الأخير من بلدة عيتا الجنوبية خلال الذكرى السابعة لحرب تموز 2006 والذي قال فيه “نحن دخلنا في مكان ما وبحدود ما الى القتال في سوريا، حيث نقاتل، نقاتل بقيمنا، نحن لم نقتل أسيراً، وأنتم تعدمون الأسير في وضح النهار، نحن لم نقتل المدنيين، ونحن في بعض معاركنا سقط لنا المزيد من الشهداء لنحمي المدنيين، وما يُقال عن أننا ارتكبنا مجازر هي أكاذيب وافتراءات وأن بعض الإعلام العربي انتقل في السنوات الأخيرة الى فبركة الأكاذيب، وسيشهد العالم كله أننا لم نقاتل إلا الجماعات التكفيرية في سوريا”.
بعض المعلومات التي خرجت عن بعض عناصر الحزب خلال اليومين الماضيين، تُشير إلى العناصر التي ظهرت في الشريط قد جرى استدعاؤها بالأسماء للتحقيق معها حول ما جرى وتحديداً حول هوية الشخص الذي قام بتصوير هذا المقطع وكيفية إظهاره إلى العلن، وفي محاولة منها للتشويش على المقطع المنشور، بدأت قيادة الحزب تُسرّب معلومات تقول “إن بعض العناصر التي كانت تتواجد خلال الحدث ليست منضبطة ولا حتّى ملتزمة بالحزب بل هم سُكان لبنانيون من مناطق تقع داخل الحدود السورية دخلوا على خط المواجهة أثناء حرب القصير ببادرة منهم وليس بأوامر من الحزب”. وهذا بالطبع منافٍ للحقيقة إذ أكد البعض أن هؤلاء ينتمون فعلاً إلى الحزب وأن الإشارات الصفراء التي كانوا يضعونها على أكتافهم تؤكد أنهم من عناصر “حزب الله” النظامية وقد عُرف من هذه العناصر الأسماء التالية: محمد ح.، علي م. وحسين م. المعروف بـ”الحاج مهدي”.
الشريط بالطبع لن يمر مرور الكرام فقد بدأ يأخذ حيّزاً واسعاً وجدلاً كبيراً داخل بيئة الحزب، فمنهم من اعتبره مفبركاً ومدسوساً ولا يمت الى حقيقة الحزب بصلة حتّى ذهب هؤلاء إلى أبعد من ذلك حيث اعتبروه مُفبركاً بهدف تشويه صورة الحزب ووضعه في خانة “جبهة النصرة”. لكن البعض الآخر يجزم بأن الشريط ليس مزوّراً وأن العنصر الذي صوّره قد تم اعتقاله فعلاً وهو من البقاع ومن عائلة معروفة بانتمائها الى الحزب لكن اسمه لم يكن ضمن الأسماء التي وردت، وهناك جهات في الحزب تعمل على الاكتفاء بمعاقبة هذا العنصر لا فصله لكن القرار يعود للقيادة نفسها التي ترى أن هذا الشريط قد وضع مصداقية نصرالله تحديداً على المحك خصوصاً أمام جمهوره.
قد لا تقف الأمور عند هذا الحد في موضوع الصور أو مقاطع الفيديو التي يمتلكها بعض عناصر الحزب إذ إن هناك عدداً كبيراً من هذه العناصر التي كان لها مشاركة حقيقية في الحرب السورية تمتلك تسجيلات مماثلة للشريط المُسرّب وقد داهمت ليل أول من أمس عناصر من أمن “حزب الله” محلاً لبيع الهواتف الخليوية في منطقة حيّ السُلّم وجرى التحقيق مع صاحبه بتهمة توزيع صور وتسجيلات تعود لعناصر من الحزب خلال مشاركتها في الحرب السورية، وبما أن الشيء بالشيء يُذكر، فإن قيادة “حزب الله” ومنذ اللحظة الأولى لانغماسها في الحرب السورية كانت عمّمت على كوادرها وعناصرها الذين شاركوا ويُشاركون اليوم بالحرب هناك، عدم اصطحابهم لهواتفهم النقّالة وذلك تحسّباً من الوصول إلى هذه اللحظة.