#adsense

المجلس الدستوري: ثلاثة تعديلات وأربع حكومات ولم يكتمل بعد

حجم الخط

المجلس الدستوري: ثلاثة تعديلات وأربع حكومات ولم يكتمل بعد
المحاصصة تهدّد والإتفاقات تنسف صدقيته
مي عبود أبي عقل

المجلس الدستوري، المولود الذي ينتظره الجميع، تتعثر ولادته وتتأخر يوما بعد يوم حتى بات يخشى ان يولد في النهاية مسخا او مشوها بفعل التدخلات والضغوط السياسية. ولن يكون الامر مستغربا في هذه الحال لان الماضي حافل بهذه الممارسات التي ادت في معظم الاحيان الى تعطيله وتوقفه عن ممارسة مهماته، على يد اهل النظام الذين استشعروا بالخطر الذي يهدد نفوذهم وسيطرتهم وتسلطهم.

يعتبر المجلس الدستوري في الدول المتحضرة التي تقوم على الديموقراطية وتحترم نظامها، اعلى هيئة دستورية وقضائية، والركيزة التي يقوم عليها القانون والقضاء، لانه المؤسسة التي تراقب دستورية القوانين وتسهر على تطبيقها، وتفصل في صحة الانتخابات النيابية والرئاسية وتبت الطعون المرفوعة في شأنها.

لكنه في لبنان موضع تجاذبات ومساومات ومحاصصة… فشلل وتعطيل. ويشعر اللبنانيون، بل يتحسسون فعليا، ان معظم الاطراف السياسيين حرصاء ويعملون بالتكافل والتضامن على اطاحته لانه يشكل حجر عثرة امام مصالحهم الشخصية والسياسية والطائفية، فيحاولون جماعة وافرادا، المماطلة والتأخير في تأليفه، وفي اقصى الحالات تشكيله على طريقة المحاصصة والمحسوبيات، ناسفين مبدأ ان يكون اعضاؤه فوق التجاذبات والانتماءات. وهنا علامات استفهام كبيرة تطرح: ما الذي يعوق تشكيله حتى اليوم؟ والى متى المماطلة والتعطيل؟ ومن المستفيد؟

تعديلات بالجملة

في المؤتمر الذي عقده مجلس النواب في الطائف في ايلول 1990، ادخل المجتمعون تعديلا على المادة 19 من القانون الدستوري الصادر في 17/10/1927 لتصبح كالآتي: "ينشأ مجلس دستوري لمراقبة دستورية القوانين وبت النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابية". وفي 14 تموز 1993 صدر القانون رقم 250 الذي حدد تنظيمه وكيفية تشكيله ومراجعته واصول العمل فيه، تلاه عام 1996 القانون 516 الذي وضع نظامه الداخلي. ثم في 30 تشرين الاول 1999 ادخلت تعديلات على بعض مواد القانونين المذكورين بموجب القانون الرقم 150.

وتنص المادة الثانية المعدلة منه على ان يتألف المجلس الدستوري من عشرة اعضاء يعين مجلس النواب نصفهم بالاكثرية المطلقة، ويعين مجلس الوزراء النصف الآخر بأكثرية ثلثي اعضاء الحكومة، وهذا ما يتسبب باشكالات، بل بمشاكل كبيرة بين اطراف الحكم تؤدي الى اعاقة صدور تشكيلاته، اضافة الى ما ينطوي عليه منطق التعيين من خطورة على معايير الاستقلالية والكفاءة والنزاهة والحياد، بما يؤدي الى تداخل المحسوبيات والمصالح الشخصية والفئوية والطائفية. وهذا ما يظهر واضحا وجليا في ازمة التعيينات التي يعانيها المجلس الدستوري منذ خمس سنوات، وتزداد تفاقما في الآونة الاخيرة وفي المدة المتبقية التي تفصلنا عن الاستحقاق الانتخابي في 7 حزيران المقبل.

لا تعيين

والقصة تعود الى 25 آذار 2003 يوم انتهت مدة ولاية خمسة من اعضاء المجلس الدستوري هم: امين نصار (رئيس المجلس)، ومصطفى العوجي وحسين حمدان اللذان انتخبهما مجلس النواب، وفوزي مراد وسليم جريصاتي اللذان عينهما مجلس الوزراء. ولم يتم تعيين اعضاء جدد مكانهم. فاستمروا في ممارسة مهماتهم عملا بالمادة الرابعة من القانون 543 الذي عدل النظام الداخلي للمجلس كما يأتي: "عند انتهاء الولاية يستمر الاعضاء الذين انتهت مدة ولايتهم في ممارسة اعمالهم الى حين تعيين بدلاء منهم وحلفهم اليمين". واصدر المجلس في 27/9/2004 بيانا اعتبر فيه استمرار الاعضاء المنتهية ولايتهم في ممارسة اعمالهم "واجبا عليهم وناتجا من التزام عدم احداث فراغ دستوري في هيئة قضائية مستقلة انشأها الدستور نفسه في المادة 19 منه".

واستمر الامر على هذه الحال حتى 25/1/2005 حين اصدر المجلس الدستوري بيانا جديدا طالب فيه "بتعيين البديلين والمبادرة الى اقرار قانون بتعديل ولاية الاعضاء لتصبح تسع او عشر سنوات، ويطبق في حال اقراره على جميع الاعضاء لانه ينص على ولاية عامة لا يستثنى منها اي من الاعضاء العاملين او البدلاء لاحقا". وفي حينه انتخب مجلس النواب ثلاثة من اصل الاعضاء الخمسة المنتهية مدة ولايتهم، وهم: حسن الحاج ونصري لحود وامين حمود، لكنهم لم يقسموا اليمين الدستورية في انتظار ان تعين العضوين الباقيين حكومة الرئيس رفيق الحريري.

تأجيل وطعن

وفي حزيران من العام نفسه جرت الانتخابات النيابية، تقدم على اثرها بعض المرشحين الخاسرين بطعون امام المجلس الدستوري. وعملا بالمثل القائل "اول دخوله شمعة على طوله" اصدر المجلس النيابي الجديد في 19/7/2005 القانون العجيب الغريب الرقم 679 بمادة وحيدة تقول "بتأجيل النظر بالمراجعات امام المجلس الدستوري ريثما يتم استكماله"، ويكون بالتالي قد اوقف صلاحياته للنظر في الطعون الانتخابية.

رفض "تكتل التغيير والاصلاح" هذا القانون وطعن فيه عشرة نواب منه، كذلك اصدر المجلس الدستوري في تاريخ 6/8/2005 القرار 1/2005، هو الاول والاخير منذ ذلك التاريخ، قضى "بابطال القانون لمخالفته احكام الدستور والمبادئ الدستورية المكرسة فيه، ويمس بمبدأ الفصل بين السلطات، كما نص على حفظ اختصاص المجلس الدستوري للنظر في مراجعة الابطال وقبولها بالشكل".

وعلى الاثر برزت ازمة جديدة في البلد تمثلت بالحديث عن دستورية نظر المجلس الدستوري في الطعون المحالة عليه وبرفض الغالبية النيابية لهذا القرار، معتبرة "ان صدوره يمهد لالغاء نيابة عدد من اعضاء مجلس النواب بغية تقليص حجم الاكثرية، الامر الذي سيدفع هذا المجلس الى تعيين اعضاء جدد في المجلس الدستوري استباقا للتوجهات السياسية للمجلس الحالي". ويومها اعتبر النائب ادمون نعيم ان قرار المجلس الدستوري "يتعارض تماما مع المبادئ الاساسية التي تهيمن في المجال القانوني. اذ ان تقاعس السلطتين التنفيذية والاشتراعية في الماضي عن القيام بواجباتهما الاساسية في تعيين اعضاء جدد مكان الاعضاء الذين انتهت ولايتهم، هو مخالفة جسيمة تجعل من استمرار الاعضاء الذين انتهت ولايتهم تتعارض مع المصلحة العامة والقوانين الصريحة. ذلك ان التقاعس المذكور يشكل تحايلا على القانون، وبالتالي يكون بقاء الاعضاء المذكورين في المجلس الدستوري مخالفا للقانون. واستغرب كيف ان المجلس، بمن فيه الاعضاء الذين سيطلبون من مجلس النواب ان يصدروا قرارا كهذا". واضاف انه سيكون "من الذين سيطلبون من مجلس النواب ان يصدر قانونا بالنص عينه الذي ابطله المجلس الدستوري". واوضح انه "وكثيرين في المجلس سنتقدم باقتراح قانون معجل مكرر بمادة وحيدة تنص على الآتي: تنتهي ولايات اعضاء المجلس الدستوري فور نشر هذا القانون في الجريدة الرسمية".

قرار التوقف

وبعد ذلك بيومين فقط، وفي خطوة لافتة، ابلغ الاعضاء الخمسة المنتهية ولايتهم الى رئيس المجلس الدستوري امين نصار قرارهم التوقف عن ممارسة مهماتهم. واصدر نصار بيانا بهذا المعنى جاء فيه:
"توقف اعضاء المجلس الدستوري المنتهية ولايتهم عن اداء مهماتهم لحض السلطات المختصة على تفادي الفراغ الدستوري وابلاغ هذا القرار الى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء عملا بالمادة 14 من القانون رقم 250/93 وتعديلاته.

صدر قرار المجلس الدستوري الاخير رقم 1/2005 بابطال القانون رقم 679/2005 الذي فرض على المجلس تأجيل النظر في المراجعات المقدمة اليه "ريثما يتم استكماله"، فكرس المجلس الدستوري في قراره هذا كيانه واختصاصه كسلطة دستورية مستقلة خاضعة كسواها من السلطات الدستورية لاحكام الدستور والمبادئ الدستورية، ومنها على الاخص مبدأ فصل السلطات وتوازنها وتعاونها والذي يقوم عليه نظام الدولة الدستوري والسياسي.

وبما ان من ائتمنهم الدستور على احكامه ومبادئه لاذوا بالصمت وبموجب التحفظ طوال ولايتهم وممارستهم مهماتهم ونطقوا من خلال قرارات المجلس فقط، وهم الحرصاء، بل الاكثر حرصا، على هذه السلطة العليا التي اعطوها حقها كاملا في الريادة العلمية والحياد المطلق والتجرد والترفع عن التجني، وهم من ابناء العدالة افنوا زهرة عمرهم في القضاء او مارسوا المحاماة – الرسالة او التعليم العالي مفاخرين بنتاج جهدهم وفكرهم ومنعة اخلاقهم ورفعة مقامهم لدى اترابهم والناس، وبما ان صدور قرار الابطال اعلاه الذي يعتز المجلس به، لا يعفي، ويجب الا يفهم انه يعفي مجلس الوزراء من المبادرة الى التعيين، ذلك ان الاعضاء المنتهية ولايتهم، وعلى رأسهم رئيس المجلس، يتمسكون اشد التمسك بالطابع المبدئي والعام للقرار اعلاه ويرفضون المساس به والنيل من وهجه وومضته وتجييره لاهداف خاصة بعيدة كل البعد عن مرتكزاته الدستورية واهدافه السامية.
وبما ان الاعضاء المنتهية ولايتهم يحرصون في الوقت نفسه على تفادي دخول البلاد في ازمة سياسية حادة هم براء منها، ويغلبون اعتبارات المصلحة العامة على ما عداها، لذلك، يعلن رئيس المجلس الدستوري القاضي امين نصار والرؤساء المنتهية ولايتهم في هيئة المجلس الحالية نائب الرئيس مصطفى العوجي، وعضو المكتب حسين حمدان، وفوزي ابو مراد، وسليم جريصاتي، انهم سيتوقفون اعتباراً من اليوم الواقع فيه 8 آب 2005 عن اداء مهماتهم في المجلس الدستوري حضاً للسلطة المختصة على استكمال تعيين البدلاء من دون ابطاء منعاً لحدوث اي فراغ دستوري في هذه السلطة الدستورية العليا وقد حال دونه الاعضاء المنتهية ولايتهم بسبب تقاعس المراجع المختصة في التعيين، وحيث لا يمكن ان يسأل عن اي فراغ بعد اليوم من اصدار القرار المبدئي اعلاه وحرص على تنزيهه بالخطوة الحالية من اي طموحات شخصية او اهداف لم تخطر يوماً في بال الحكماء".

واشاد رئيس مجلس النواب نبيه بري بهذا القرار "كبادرة لحض الحكومة على استكمال المجلس بتعيين عضوين اثنين"، معتبراً انه "دليل احترام المجلس الدستوري للرغبة النيابية في استكمال المجلس، وان كان هذا الاخير ارتأى عدم دستورية القانون رقم 679". وقال: "ان محاولة الهروب الى الامام بتطيير المجلس الدستوري او القانون الذي نص على ايجاده هو امر فيه خطر كبير على دولة المؤسسات نحذّر من الانزلاق اليه".
وفي 11/7/2006 انتهت ولاية اربعة اعضاء آخرين هم: امين نصار وسليم جريصاتي وحسين حمدان وفوزي ابو مراد.

اتفاق… لا اتفاق

وبعد صدور اصوات تطالب بالغاء المجلس الدستوري واعادة تكوينه وحصول تجاذبات سياسية كبيرة بين الموالاة والمعارضة ايد مجلس النواب في جلسته المنعقدة في 22/10/2008 اقتراح وزير العدل ابرهيم نجار الغاء قانون المجلس الدستوري الصادر عام 2006 والذي ينص على تعديل القانون 93/250. وبعد نحو شهرين، اي في 19/12/2008 انتخب المجلس النيابي "حصته" من المجلس الدستوري وفاز كل من: انطوان خير، زغلول عطية، انطوان مسرة، طارق زيادة واحمد تقي الدين. ومن حينه قامت القيامة ولم تقعد بعد. وبدأ سيل الاتهامات والحديث عن نقيض اتفاقات كانت تجري تحت الطاولة وخلف الكواليس. اذ تحدثت المعارضة عن توافق جرى بينها وبين الموالاة على اسماء محددة ليس اعتراضاً على الاسماء المطروحة بل لينسحب هذا التوافق على مجلس الوزراء ايضاً، فلا يضطر احد الطرفين الى التصويت، الا ان نتائج الانتخابات جاءت مغايرة للاتفاق، لذلك تطالب الاقلية بتعويض الاجحاف الذي لحق بها وتريد حصتها بأربعة اعضاء من اصل الخمسة الذين يفترض ان يعينهم مجلس الوزراء. الا ان الغالبية نفت تماماً حصول هذا الاتفاق واعتبرت ان ما حصل في المجلس النيابي عملية ديموقراطية سليمة يجب استكمالها في مجلس الوزراء.

ومنذ ذلك الحين لا يزال المجلس الدستوري رهينة التجاذبات والمحاصصة السياسية والطائفية، وهو المؤسسة الدستورية التي يجب ان تكون مستقلة تماماً للتمكن من مراقبة تطبيق الدستور بتجرد وتفعيل قيام النظام الديموقراطي وبناء دولة القانون. وبغض النظر عن بعض الآراء القانونية المطروحة والمتعلقة بصلاحيات المجلس الدستوري وآلية التعيينات فيه، ولا سيما من رئيس مجلس النواب السابق حسين الحسيني ووزير العدل السابق وعضو المجلس الدستوري بهيج طبارة، الا ان تشكيله اليوم يعتبر مسؤولية وطنية وحاجة اساسية وملحة لتطبيق الحد الادنى من الدستور في الاستحقاق النيابي المقبل ومراقبة الانتخابات واعطاء حق الطعن ومراجعة اي شكوى تتعلق بالشأن الانتخابي.

اربع حكومات امتنعت عن القيام بواجباتها في تعيين اعضاء بديلين في المجلس الدستوري هي حكومات: رفيق الحريري وعمر كرامي ونجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة، فهل تكون هذه الحكومة الخامسة التي تتقاعس؟ ولمصلحة من؟ وماذا لو لم يكتمل عقد المجلس الدستوري قبل الانتخابات؟ واي انتخابات من دونه؟ اسئلة برسم من يعتبرون انفسهم حماة البلاد والديموقراطية والحريات.

المصدر:
النهار

خبر عاجل