أرض الينابيع والأمطار تعاني شحاً. والمنازل لا تدركها المياه. أحياناً تقتحم السيول البيوتْ والمياهُ مقطوعة عن الحنفيات. وعليك ان تشتري قناني الماء لكي تشرب. أو لأن المياه مقطوعة… أو لأنها غير صالحة للشرب. وعندها تكتشف ان شركات بالعشرات تتناسل لبيع المياه، ليس فقط للشرب بل للاغتسال والتنظيف والجلي والحلاقة… الينابيع تُعبَّأ في القناني والحنفيات والأحواض جافة كالصحارى. إذاً عندنا ماء وليس عندنا ماء. عندنا الينابيع وكأنها تنضم إلى الصخور. بل يقال إن لبنان غني بمائه. والماء أهم من النفط. وحروب المستقبل ستكون من أجل الماء. مع هذا عندنا مياه لا نشربها ولا نستخدمها كأنْ نلجأ إلى مياه صناعية. وكأن الأمطار لا تسقط. والثلوج لا تخزّن، بل كأن الشتاء مشهد مسرحي، أو فيلم افتراضي. “شوف ولا تدوق”. ذلك ان كل المياه يمضي إلى البحر. هكذا وكأنها ما كانت. فلا سدود للحفظ. ولا سياسة وقائية فـ”أنا الغني وأموالي المواعيد”. هكذا نعني. اسرائيل “تطمح ” في مياهنا. ونحن نهدرها. نورّد المياه إلى الخارج والمنازل بلا مياه.
إذاً عندنا مياه من أبد الآبدين إلى أبد الآبدين. وصار عندنا نفط. فماذا يعني ذلك؟ انه قد نصبح دولة نفطية وقد نبقى بلا نفط. وقد لا نصبح دولة نفطية وعندنا نفط. تماماً كالمياه. اليوم يكثر الكلام عن وجود نفط بكميات هائلة ضمن حدودنا الأقليمية. اسرائيل بدأت بالتنقيب. لزّمت شركات من هنا وهناك. وكذلك قبرص. اما لبنان، فعنده نفط ايضاً. النفط في قبرص وفي اسرائيل ملكية عمومية للشعب. ولهذا اتخذت القرارات بسرعة. فهو الأمان الاقتصادي، والاجتماعي والسياسي والتجاري والأمني. عندنا لا! لماذا؟ لأن كل ما لنا ليس لنا. كل ما للناس ليس للناس. بل كل ما للدولة ليس للدولة. فكل شيء صار مُلكْية خاصة تماماً كما حال الكسارات والأحراج… وكما تسرق اراضي المشاعات. وكما تبنى شوارع على ممتلكات الغير. وكما تُحوّل مناطق كانتونات خاصة. كانتونات بصكوك حزبية وبملكيات مذهبية او عائلية. أو ميليشيوية. أو تصبح الحكومات أيضاً مشاعات خاصة. ممتلكات محسوبة. تماماً كما يحصل في الجمهورية العائلية عندنا… فاذا كانت الأمور هكذا، ومن مخلفات الحروب، والميليشيات وقوى الأمر الواقع فلماذا لا يكون مصير النفط “المنتظر” (كل شيء بات “منتظراً عندنا… ولا يأتي لا غودو ولا شقيق غودو ولا أيّ “مُنتَظر” من هنا أو من هناك) كمصير كل شيء. أي يصير “ملكية” حزبية (كمزارع شبعا أو كقضية الضاحية) أو عائلية كما هي الحال مع بعض الأنظمة العربية التي وضعت مردود النفط ضمن حساب العائلة الحاكمة. كما في سوريا، وليبيا مثلاً! النفط خارج التداول وخارج الميزانية وخارج أرقام الدولة. وخارج ادراك الناس… ومن المحرمات تماماً كالحرية والديموقراطية… والكرامة. انه شأن عائلي أو قضية سرية تتعلق بالأمن القومي. أف! يصبح النفط مسألة أمنية… ولمَ لا أيديولوجية خاضعة للصراع السياسي، أو محذوفة منه.
وماذا يدور عندنا اليوم سوى ذلك اليوم. ووزير الطاقة باسيل قدم نفسه مكتشفاً للنفط. كريستوف كولومبوس النفطي. لأنه هو بالذات، وبوحي من “القدير” اكتشف ما لم يكتشفه الاختصاصيون على مر السنين فلم يكن عندنا نفط أصلاً.. إلاّ عندما “رآه” باسيل للمرة الأولى. فصار النفط مسألة خاصة. يدافع عنها جنرال الخير والبركات وكأنه يدافع عن “حق” طبيعي يمتلكه. او عن قطعة أرض من أراضيه. طبعاً تحت شعار “مصلحة لبنان” (لكن ما للبنان لنا أو لا يكون!) ومن جهة أخرى، تحوم الحومات من هنا وهناك، حول “الفريسة” الجديدة، ويبدأ الصراع حول من سينقب عن النفط. ومكتشف النفط له الحق باختيار من يشاء من الشركات تماماً كما له الحق باختيار من اللجان، تماماً كما له الحق باختيار من سيبني له منزله. فللمكتشف حق طبيعي وربما قانوني بإدارة هذه الملكية الجديدة… وهنا بالذات ننتقل إلى الجهات الأخرى: فمقابل كريستوف كولومبوس النفط عندنا جبران باسيل، هناك الأميرال نلسون أو صاحب آخر من أصحاب “الحق الالهي” .. بالدولة والكانتونات والاتصالات والثلث المعطل. وقرار الحرب والسلم وحرية الاغتيال واحتلال الأرض التي “حُرّرت”. فلماذا لا يكون النفط بالنسبة إلى هؤلاء “غنيمة” حرب أيضاً، كما هو الجنوب والضاحية والدولة والكانتونات؟ او على الأقل لماذا لا يكون “هبة” من “الله” الجبار، “القهار” لحزب ينتحل اسمه. أو ليس لانتحال اسم الله ثمنٌ أو “جزاء”. ولو! فلكل شيء ثمن: الشهداء.. الحروب.. الارتزاق. العمالة. القتل.. التهديد… فلماذا لا يكون النفط “جزية” دينية، أو “جائزة ترضية” مقابل هذه التضحيات التي بذلها من اجل تحرير الجنوب وتسليمه إلى سوريا وايران.. لقاء السلطة والاستمرار بالسلطة والهيمنة، وأكثر: ولماذا لا يكون النفط أيضاً من آيات “الواجب الجهادي” أو “التوكيل”. ولماذا لا يكون هذا النفط من نِعَمِ ربّه عليه لا علينا آتاه باشاراته ان يحميه لعباده، في منام او في “نور قذفه في الصدر” أو “رسالة” جهادية ليتولى حمايته من الطامعين به. وكما يمكن ان يكون “النفط” ملكية لآل باسيل وعون، فلماذا لا يكون “ملكية” لحزب الله ايضاً… هناك ملكية عائلية وراثية… وهنا ملكية “فقهية” “شرعية” أو الهية. انه الحق الالهي ومن يتصدّ للحق الالهي مصيره جهنم يصطلى بنارها.. أو القتل، أو التخوين، أو الخطف أو النفي. انه العقل الاستيطاني اذاً منقول ومقتبس من الممارسات الاسرائيلية التي واستناداً إلى مقولة “ارض بلا شعب لشعب بلا أرض” أو “شعب الله المختار” وامتداداً إلى استراتيجية اسرائيل الكبيرة التوراتية ، ها هي تصادر الأراضي الفلسطينية وتعتدي على المقامات الدينية والاسلامية والمسيحية وكذلك الممتلكات، تخطيطاً لعمليات تهجير جديدة تهدف الى توسيع حدودها. ومستوطناتها. وكلنا يتذكر ان الميليشيات الطائفية في السبعينات والثمانينات وصولاً الى التسعينات، مارست هذه “اللعبة” الجهنمية الاستيطانية بعمليات “تنظيف” عنصرية لتستولي على ممتلكات الطوائف الأخرى، وطوائفها بالذات، وكرست آنئذ تلك المنطقة باسم حزب تلك الطائفة، لتكرس اخرى باسم حزب طائفة أخرى… وهكذا دواليك حتى صار لبنان مجموعة “ملكيات” ميليشيوية كان احتلال الأراضي والعقارات عنواناً رئيسياً اما “لامارات” أو “لجاليات” أو لغيتوات. ونظن ان الصراع بين الأنظمة العربية تركز كذلك على من “يستملك” ورقة لبنان ومن ضمن هؤلاء اسرائيل طبعاً، وصولاً إلى ايران ومروراً بالأنظمة السورية والعراقية والليبية المنهارة أو التي في طريقها إلى الانهيار. فكما ان “الميليشيات ” استمسكت “بادارة الغيتوات بشرعية الدفاع عن نفسها (كمقاومة أولاً: لم يعرف العالم كمية من المقاومات كالتي عرفها لبنان! يخزي العين) محاصرة تلك المناطق ودمغها بالأحادية واعلانها مستوطنات لبنانية أو عروبية أو وطنية… وهكذا صارت عندنا مجموعة شعوب تتحكم بها مجموعة ميليشيات ومن ورائها مجموعة دول او منظمات عربية. اذاَ هذه النزعة “التملكية” هي أولاً من الإرث الاستعماري ثم من الارث الاستبدادي العربي ثم من الارث الصهيوني، مختزلة في الظواهر الطائفية والنزاعات المذهبية… (والمذهبية صناعة ككل الصناعات، كصناعة الأحذية والشوكولا… والسموم والأوبئة والكابتاغون). ونظن ان اللبنانيين توهموا بعد “الطائف” ان هذه الميول المنحرفة قد خفّت، او في دربها إلى الزوال، لكن حزب الله ومِنْ ورائه ايران وسوريا وكذلك اسرائيل، اعاد هذه اللعبة إلى نقطة الصفر، استرجع الارث القديم الجديد، بذهنية استيطانية كانتونية تملكية وحتى “وراثية” منها هو “الثلث” المعطل يُصبح واقعاً في تأليف الحكومات كجزء من ملكياته. وها هي بعض الوزارات تكرس باسمه او باسم حلفائه: الخارجية مثلاً، او الاتصالات أو النفط أو الطاقة.. أو العدل، كلها باتت من حقوقه الملكية مع شريكه الرائع، نابوليون الثاني أو الأمير بشير أبو طحين (هل تعرفونه) . فعون يطالب بوزارة الطاقة أو الاتصالات (هل وصل بتيار “المثقفين” الى الحصول على وزارة الثقافة : اسألوا الوزير المثقف عميقاً ليون!) وكأنهما حق طبيعي وكأنهما جزء من عقاراته أو ارث من عائلته كأنما كتبت هذه الوزارات باسمه، تماماً، وكل حديث عن التداول هو اعتداء على حقوقه أو على املاكه أو على منزله أو على سيارته… فكما ان السيارة مسجلة باسمه فهذه الوزارات ايضاً مكرسة و”معمدة” باسمه… واسألوا “عرّابه” الالهي ليوافق بالبصم والعشر واليمين والقسم! وان كل انتقاد لصهره أو لأحد وزرائه هو تدخل في الشؤون العائلية أو التيارية أو الخصوصيات المحرمة على كل ما هو خارجي وعمومي! فلا الفضائح المتكررة ولا الصفقات ولا التجاوزات من شأن الآخرين: فهذه الوزارات لها اصحابها وما حدا بخصو ليتدخل في شؤونها”. انه منطق حزب الله والمقاومة انها مسألة خاصة لا علاقة لأحد بها لا الجيش ولا الحكومة ولا رئاسة الجمهورية ولا البرلمان.. وقراراتها شأن داخلي في أمور السلم والحرب، لها حدودها الجغرافية والبحرية والبرية والجوفية والهوائية والفضائية. كعقارات مستقلة عن الدولة أو الجمهورية اللبنانية (استمرار لذهنية الاستيطانات اليهودية) فهي تمتلك بشرعية المقاومة والسلاح وسرايا الغستابو للعدوان والحرس الثوري والمال الايراني والاعتراف “الدولي” (اسألوا 14 آذار أولاً!) لكن لا يمنع ان تتوسع حدود الحزب (وملكياته) من الضاحية والبقاع والجنوب إلى زحلة وكسروان وقلب بيروت فمن حقه الدفاع عن جمهوريته وعن “شعبه” وعن الخيرات التي تنتجها الأرض، والبحر والسماء.. والنفط تماماً ضمن حدوده. وباسيل والتيار العوني ايضاً جزء من جنوده واحلافه(!) وعلى هذا الاساس يجد الجنرال عون أن أحقية اطلاق يد وزير العائلة باسيل محمي ومقونن ومشرعن من حزب القانون والشرعية والشرع.. والدولة! ولهذا نجد ان وزير الطاقة (لم يبق لا طاقة ولا طاق طاقية في لبنان) يستعجل البت بأمور التنقيب عن النفط وانتاجه. وكأنه مصنع من مصانعه، ويخوّن كل من يعرقل تنفيذه في حكومة تصريف الأعمال المستقيلة. لأنه يخشى ان تبتذل الأحوال، ويمضي الأمر الى أيدٍ أخرى! وينزلق كل شيء من بين أصابعه الذهبيتين. واذا ما دامت الأمور على كل ما يشتهي “حيتان” النفط، فالذرائع كثيرة وجاهزة، وكما “اخترعوا” (ايام الرئيس المفدى اميل لحود) “مزارع شبعا” (غير المحسومة بين لبنان وسوريا او التي لا تريد ان تحسمها ايران وسوريا) لكي “تبقى” المقاومة السابقة بسلاحها، دفاعاً عن “ارض تحتلها اسرائيل! في الوقت الذي يَسْحَنْفِرُ الحزب إلى سوريا دفاعاً عن مقام السيدة زينب (الذي بناه وحماه السُّنة على امتدادات السنين). والنظام، من دون ان يفكر حتى في “تحرير الجولان” فالحزب اهم من الارض، والنظام اهم من الجولان فيا لجلال المقاومة الانتقائية! رائع! وعلى هذه الخلفية سيشرئب الحزب (سبق أن اشرأب كثيراً) ويعتبر ان المهمات الملقاة على عاتقه (لا على الجيش ولا الدولة ولا الشعب) الدفاع عن النفط. وهكذا يكون عندنا مقام الست زينب آخر، ومزارع شبعا جديدة… وحدود بحرية تحتاج اليه (كما احتاجت اليه الحدود الشمالية التي انتقل عبرها وامام الجيش بعدته وعتاده واسلحته ليقوم بالواجب الجهادي!).
وأخيراً، اذا لم يكن عندنا نفط على امتداد القرن الماضي واندلعت كل تلك الحروب على ارضنا وجاءتنا كل هذه الجحافل وحولت البلد ساحة صراع بين أنظمتها فماذا ينتظرنا اذا حدث وانتج النفط! الله يستر! والله يبعد الحيتان عن الحيتان المتجلببين بثياب الحملان!
الغريب ان الحيتان سبقت هذه المرة فرائس النفط.