#adsense

ميشال عون الرجل الذي أدّى دائماً الدور المطلوب… سورياً

حجم الخط

كتب ربيع كلاس في صحيفة “الراي” الكويتية:

 من ضابط مغمور جاء من حارة حريك التي كانت ضاحية مسيحية من ضواحي بيروت وصارت الآن معقلا من معاقل «حزب الله»، تحوّل ميشال عون الذي يسميه انصاره ومحبّوه «الجنرال»، الى لاعب مهمّ، بل أساسي، في المعادلة السياسية اللبنانية.

يعكس هذا الصعود لميشال عون، القائد السابق للجيش اللبناني، أزمة المسيحيين في لبنان، خصوصا الطبقة دون الوسطى التي تنتمي اليها أكثرية هؤلاء المسيحيين الموجودين في البلد.

يمثّل ميشال عون تطلعات هذه الطبقة المسيحية، ذات الافق الضيّق، التي لا علاقة لها من قريب أو بعيد بما يدور في المنطقة المحيطة بلبنان.

كلّ ما تحتاج اليه هذه الطبقة هو «بطل» يطلق شعارات معينة تستجيب لغرائزها في مرحلة محددة. استطاع ميشال عون تلبية مطالب هذه الطبقة مستجيبا لتطلعاتها وأوهامها، عن طريق الشعارات.

استطاع ذلك، حتى لو كان الثمن تهجير مئات آلاف المسيحيين في لبنان وذلك عندما كان في القصر الرئاسي في بعبدا بين السنتين 1988 و1990 من القرن الماضي.

سكن ميشال عون في القصر بعد تعيينه رئيسا لحكومة موقتة، اثر انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميّل في ايلول 1988. ولم يخرج منه الاّ بعد قصف الطيران السوري للقصر…بضوء أخضر أميركي صدر بعد موافقة الرئيس الراحل حافظ الاسد على ارسال وحدة عسكرية شاركت، انطلاقا من حفر الباطن، في حرب تحرير الكويت من الاحتلال العراقي.

كان هاجس عون الدائم رئاسة الجمهورية. ما لم يتغيّر في الرجل منذ كان ضابطا متخصصا في المدفعية انضمّ الى الفريق المحيط بالرئيس الراحل بشير الجميّل بعد اندلاع الحرب الاهلية العام 1975، هو السعي الى شغل هذا الموقع. فعل ذلك، بغض النظر عن الثمن، المطلوب دفعه لبنانيا، وطبيعة التحالفات التي يقيمها. «انه مستعد لكلّ شيء من أجل أن يكون رئيسا»، على حدّ تعبير أشخاص رافقوه في مسيرته الطويلة.

يروي السفير السابق جوني عبده الذي كان مديرا للاستخبارات في الجيش اللبناني بين العامين 1976 و1982 أن «الضابط ميشال عون كان في كلّ مرّة يلتحق بموقعه العسكري القريب من صيدا في جنوب لبنان يروي لسائقه الرواية ذاتها. وكان على السائق، تمضية ساعة في كلّ مرة يأخذ فيها عون من بيروت الى صيدا، يستمع خلالها، مضطرا، لروايته المملّة عن المؤامرات التي تحيكها له (سي آي اي) و(كاي جي.بي)، أي الاستخبارات الاميركية والسوفياتية معا، من أجل منع تقدّمه ووصوله الى رئاسة الجمهورية اللبنانية».

كان هذا الهاجس، هاجس رئاسة الجمهورية، نقطة الضعف التي استغلها النظام السوري دائما من أجل تنفيذ سياسات معيّنة في لبنان مستخدما عون. ففي العام 1985، رفض ميشال عون بعدما أصبح قائدا للجيش تنفيذ أوامر الرئيس أمين الجميّل والقاضية بالقضاء على ميليشيا «القوّات اللبنانية»، وذلك بعد اختراق عناصر منشقة من «القوات» التابعة آنذاك لايلي حبيقة (الموالي للنظام السوري والذي قتل بتفجير سيارته أمام منزله في الحازمية) خطوط التماس في بيروت وصولا الى قلب المنطقة المسيحية في الاشرفية. وجد الجميّل في ذلك فرصة مناسبة للتخلص من كلّ تنظيم «القوات»، بجناحيه الموالي للسوريين والمعادي لهم (بقيادة سمير جعجع)، بضوء أخضر من البطريرك الماروني(الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير). ولكن لدى تحديد ساعة الصفر لبدء تحرّك الجيش الذي كان قادرا على الاستفادة من الصدام بين جناحي «القوّات» لملء الفراغ العسكري في بيروت الشرقية (المسيحية) والمناطق المحيطة بها، اختفى ميشال عون فجأة. لا يشكّ الجميّل في أن قائد الجيش اللبناني، آنذاك، زار دمشق سرّا لمحاولة معرفة موقفها من القضاء على «القوات اللبنانية»…بدل الالتحاق بغرفة العمليات في وزارة الدفاع.

يعتقد أمين الجميّل أن تلك كانت الفرصة الوحيدة للقضاء على «القوات»، لكن ميشال عون فوّتها على الجيش اللبناني لأنّ السوريين كانوا يعتقدون، في العام 1985، أن ذلك ليس في مصلحتهم وأن أي صدام بين الجيش و«القوّات» يجب أن يصب في مصلحة تدمير الجانبين وتمكينهم من وضع اليد على المنطقة ذات الاكثرية المسيحية. وهذا حصل بالفعل في تشرين الاول 1990 بعدما خاض عون معارك شرسة مع «القوّات» ورفع شعارات معادية لحافظ الاسد، بل مهينة له، بسبب رفض الاخير القبول به رئيسا للجمهورية.

كان لدى ميشال عون في كلّ وقت وسطاء بينه وبين النظام السوري. ومن بين ابرز هؤلاء، البير منصور، الذي أصبح لاحقا وزيرا للدفاع، والمحامي فايز قزّي، «البعثي» السابق الذي كان قريبا من بغداد ثمّ من دمشق. وصل الامر بميشال عون، عندما أصبح قائدا للجيش العام 1984 أن زار دمشق وكتب في سجلّ الزوّار في «نادي الصيد»، حيث أقيم غداء على شرفه، انه «جندي في جيش حافظ الاسد».

كان في الواقع جنديا في هذا الجيش، من حيث يدري أحيانا ومن حيث لا يدري في أحيان أخرى. لكنّه كان دائما تلك «الاداة» التي استخدمها حافظ الاسد باستمرار مستعينا بدهائه المعروف، حتى عندما أقام ميشال عون نوعا من الحلف مع خصمه صدّام حسين وتسلّم منه دبابات ومدافع وذخيرة…وامورا أخرى.

بعد توقيع «اتفاق الطائف» في خريف 1989، لعب ميشال عون الدور المطلوب منه أن يلعبه. اعترض على الاتفاق الذي ادى الى انتخاب رئيس جديد للجمهورية هو رينيه معوّض. منع ميشال عون الرئيس المنتخب من دخول قصر الرئاسة، وهو ما سهّل على السوريين التخلص منه في 22 تشرين الثاني 1989 (تفجير استهدف موكبه).

فقد كان رينيه معوّض «مزعجا» لهم بسبب علاقاته العربية المتشعبة، خصوصا العلاقة مع المملكة العربية السعودية، ومع الدول الغربية عموما، خصوصا الولايات المتحدة. كان لدى حافظ الاسد تفسيره الخاص لـ«اتفاق الطائف» الذي يختلف عن تفسير العرب الآخرين والقوى الدولية التي دعمت الاتفاق.

حقّق ميشال عون للنظام السوري هدفين ثمينين. يتمثل الاوّل في تسهيل التخلص من رينيه معوّض الذي فجّر موكبه في منطقة كانت تحت السيطرة السورية الكاملة في بيروت. وسمح ذلك بانتخاب الياس الهرواي رئيسا للجمهورية. وكان الهراوي من النوع المرن المستعد باستمرار للاستجابة لما يطلبه حافظ الاسد.

أما الهدف الثاني، فيتمثّل في فتح أبواب المنطقة المسيحية أمامه. فبفضل ميشال عون واصراره على البقاء في قصر بعبدا، دخل السوريون في هذا اليوم، في 13 تشرين الاول 1990 قصر الرئاسة ووزارة الدفاع في اليرزة واخذوا منها كلّ الوثائق التي في حوزة المؤسسة العسكرية اللبنانية منذ اليوم الاوّل لتأسيسها.

ترك السوريون ميشال عون يفرّ الى السفارة الفرنسية القريبة من قصر بعبدا التي بقي فيها بعض الوقت وما لبثوا أن سمحوا له باللجوء الى فرنسا حيث بقي منسيا طوال سنوات عدة، الى آن أوان احياء دوره مجددا. حصل ذلك من منطلق انه قادر على اثارة الغرائز لدى مسيحيي الطبقة دون المتوسطة. فبعدما ورث بشّار الاسد الجمهورية العربية السورية، وحتى قبل ذلك بعامين، اي في 1998، بدأت تظهر حساسيات، من النوع الزائد، لدى النظام السوري تجاه رفيق الحريري. كان في أساس تلك الحساسيات، التي غذتها شخصيات لبنانية واوساط «حزب الله» الذي نسج علاقة متميّزة مع الاسد الابن، أن الحريري مشروع زعيم سنّي قادر على تجاوز الحدود اللبنانية. من أفضل من ميشال عون يلعب دورا مساعدا في منع انضمام قسم لا بأس به من المسيحيين الى مشروع الحريري الذي كان يستهدف في الواقع الاستفادة من رحيل حافظ الاسد لوضع لبنان مجددا على خريطة المنطقة بدل بقائه تحت الوصاية السورية- الايرانية؟

كانت هناك شراكة ايرانية- سورية في التقرب من ميشال عون، المقيم في باريس، من منطلق أن كلّ الادوار التي يلعبها خارج لبنان، بما في ذلك الرحلة التي قام بها لواشنطن بدعم من اللوبي الاسرائيلي، ومساهمته في الترويج لقانون محاسبة سورية الذي أقرّ في الكونغرس، ليست سوى ادوار موقتة. كانت كلام ليل يمحوه النهار لا أكثر ولا أقلّ.

تبيّن أن الحسابات الايرانية- السورية في محلها، خصوصا في مرحلة ما بعد اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط 2005. عاد ميشال عون الى لبنان ليؤدي الدور الجديد المطلوب منه. نسي عداءه للنظام السوري ووصفه لـ«حزب الله» بأنّه «ارهابي» بمجرّد التلويح له برئاسة الجمهورية وبمكاسب أخرى. وقّع حتّى وثيقة تفاهم مع «حزب الله» المذهبي، الذي يفترض أن لا يكون ما يربطه به، في فبراير 2006

عاد ليلعب دور المسيحي المتحالف مع «حزب الله» الايراني والمعادي للنفوذ السنّي في لبنان… وسوريا. انه المسيحي، الآتي من الطبقة دون المتوسطة، الذي يتحدّث عن «التكفيريين» بصفة كونهم الممثل الشرعي الوحيد للسنّة في لبنان وسوريا. ليس مهمّا أن يكون ذلك وصفا دقيقا لحالة معيّنة أم لا. وهو وصف غير دقيق. المهمّ أن يكون هناك من يستطيع اثارة الغرائز لدى بعض المسيحيين والتلويح لهم بـ«حلف الاقلّيات» في المنطقة.

لا يستطيع أحد اي سياسي لبناني لعب هذا الدور باتقان، ليس بعده اتقان، غير ميشال عون الحالم دائما برئاسة الجمهورية اللبنانية التي وقف سنّة لبنان، وما زالوا يقفون حاجزا دون تمكينه من الوصول اليها… وقد يكون ذلك صحيحا كما قد لا يكون.

في الانتظار، يستطيع ميشال عون العيش مرتاحا والمناداة بنظافة كفّه في مقره الجديد في منطقة جبلية راقية لا تبعد كثيرا عن بيروت. اسم المنطقة هو الرابية. وهي تعجّ بالأغنياء، الاغنياء الجدد والقدامى. لا يوجد من يسأل من أين له كلّ تلك الاموال والامكانات؟

أما هو، أي ميشال عون، فانه يفضّل أن ينسى ما الذي حلّ بمسقط رأسه، أي بحارة حريك ولماذا لا يستطيع العودة اليها بعدما صارت معقلا من معاقل «حزب الله»، بل عنوانه الرسمي في لبنان؟

المصدر:
الراي الكويتية

خبر عاجل