
أحيت الرهبانية الأنطونية المارونية، صباح الأحد، الذكرى الثالثة والعشرين لتغييب الأبوين البير شرفان وسليمان ابي خليل في قداس ترأسه الرئيس العام للرهبانية الأباتي داود رعيدي في دير مار روكز – الدكوانة، مركز الرئاسة العامة، عاونه فيه النائب العام الأباتي انطوان راجح، والآباء المدبرين مارون بو رحال وجورج صدقه وريمون هاشم، في حضور لفيف من الرهبان والراهبات، ورئيس بلدية الحدث جورج عون، واهل الأبوين المغيبين وجمع من الاصدقاء. خدمت القداس جوقة الأب البير شرفان بقيادة فادي شرفان.
بعد الانجيل المقدس، ألقى رعيدي عظة جاء فيها: “نتذكر اليوم إخوة لنا غابوا عنا، ولكن حضورهم لم يفارقنا لحظة، وكأننا وإياهم حاملين المشاعل على باب الفردوس ننتظر مجيء السيد، مثل العذارى الحكيمات، ليعود إلينا بالمجد. هذا الانتظار الذي غزا حياتنا كلها وجعلنا نفتش فيها عن المعنى الحقيقي للقاء، ليس لأن العرس تأخر، بل لأن المنتظرين ينظرون كل إلى نفسه إلى ما أعده لهذا اللقاء”.
وقال: “إنها وقفة وجودية، وقفة مسيحية بامتياز ينظر فيها المؤمن إلى حياته في ضوء عودة السيد الذي سيدعوه إلى الدخول إلى الملكوت. لكأن الحياة المسيحية برمتها تتحول إلى هذه اللحظة التي يفتح فيها السيد الباب للدخول، لحظة لا مجال فيها للعودة إلى الوراء للملمة ما نسينا أن نقوم به قبل بدء المسير. لحظات تختصر منطق الحياة المكرسة التي أخذت على نفسها السير مع المسيح للقائه في المجد. فمنذ أن شرعنا في المسير، خرجنا من مفهوم الوقت، من فكرة اليوم، أو الأمس، أو الغد، لنكون دوما حاضرين مع السيد في كل عمل واختيار ورسالة وكأننا جاهزون دوما لنسلمه الوديعة”.
أضاف: “ثلاث وعشرون سنة مضت على غياب أخوينا الأب ألبير والأب سليمان، ولكنهما ما زالا يعيشان معنا، ما زلنا نعيش وأياهم لحظة الدعوة التي تتكرر، لا بل تتخلد في “الآن” الإلهي، لكأنها تأخذ معناها من وعينا للحضرة الإلهية التي نعيش في ظلها. أن نكون هنا على الأرض أو هناك في السماء فسيان عندنا: فهنا نعاين المجد ونشترك بالرسالة، وهناك نعاين المجد ونشترك بالطبيعة الإلهي. فمسيرة الراهب هي عمل بالعمق ليصبح واحدا مع الرسالة التي اختارها وليصبح واحدا مع الرب يسوع الذي دعاه. تتميز الحياة المكرسة عن غيرها بهذا الانغماس بالوجود الإلهي، وبالرسالة الإلهية لتحقيق الخلاص الذي شاء المسيح أن يجعلنا شركاء له في هذا المشروع”.
تابع: “في كل مرة نقف أمام الله، يقف معنا كل الذين سبقونا أولئك الذين طبعوا حياتنا بدمائهم، أولئك الذين دمغوها بصلاتهم، وبنسكهم، وبعملهم الرعوي والتربوي، إذ وقفوا حياتهم لهذه الرسالة وقدر لهم بلوغ ملئها بطريقة من الطرق، تاركين لنا ذخائر، ومواقف، وإنجازات، تصوغ حياتنا وتاريخنا وتاريخ الوطن. ونحن نعمل بدورنا على صياغة هذا التاريخ والحضور باللحم الحي، وبكل ما أوتينا من قدرة وعزم ومعرفة، لنسهم في بناء لبنان الرسالة، لبنان الرجاء، لنسهم في بناء “اللبنان” الذي يتجاوز الصغار والحقودين والمنتقمين والغازين، ليبقى منارة للعيش المشترك ولإرادة إخراج الحياة الحقة من علامات الموت”.
وقال: “أود أن أذكر اليوم بالأخص، إخوة لنا، كان لمشروع ترميم دير مار أنطونيوس في جزين أن رفع النقاب عن وجودهم، وكانت الأرقام التاريخية تتأرجح عندنا، إذ كنا نفتقد للوثائق بسبب الحرب عينها عن عددهم واستشهادهم، ولكننا اكتشفنا قبوا تحت الدير، دفن فيه خمس وعشرين راهبا قرب بعضهم استشهدوا على رجاء القيامة، منذ حوادث 1860، ثم اقفل إلى اليوم. هؤلاء لم يكونوا وحدهم بل كانت الأديار الأخرى تذخر بمثلهم، كانت تمتلئ بالمكرسين للحياة الجديدة، وللشهادة للمحبة في مختلف بقاع جبل لبنان، وما كان من يد الغدر إلا أن خطفت أولئك الذين يؤمنون بالحياة، وأصمتت أفواههم، ولكن شهادتهم ما زالت أمامنا حافزا للمسير في طريق البشرى الجديدة، في طريق اللقاء، في طريق التعايش”.
أضاف: “ولن نستسلم يوما عن أن نمد يد المسيح، يد الحياة، للآخرين، لكي نسير معهم إلى الخلاص المرتجى. ولن نتخلى، بسبب جهل البعض، عن صليب الخلاص، عن علامة الحياة التي تحملنا إلى عوالم أخرى. فإذا شاء البعض أن ينغلق في عالم الظلمة والحقد والحرب والضغينة وإلغاء الآخر، ندعوه من جهتنا إلى عالم الانفتاح والتعاون وزرع أسس الرجاء في مجتمعنا وفي عالمنا”.
تابع: “وإذ نذكر اليوم أخوينا الراهبين ألبير وسليمان، ليس لأنهما الوحيدين اللذين قدما حياتهما للرب يسوع، ليس لأنهما أعطيا ذاتهما ذبيحة على مذبح الوطن، وكانا، كغيرهم من إخوتنا، شهود وشهداء الحياة الأنطونية ورسالتها، بل لأننا نلتقي بهم في زمن السلم، لنبني وطن الحق والحرية، وطن الرسالة والعيش المشترك، وطن الوجود المسيحي الإسلامي، الذي بات يشكل حصرمة في أعين المتطرفين والمجرمين والطامعين. وطنا نريده أن يبقى نموذجا للقاء والتبادل الفكري والديني والحياتي مع إخوتنا وشركائنا في الوطن؛ وطنا هو بوابة الإسلام على العالم وعلى العيش مع الآخرين كديانة تسامح ومحبة، كديانة تحترم الإنسان وتعطيه قيمته الحقيقية؛ نريد أن نبني معهم وطننا نلتقي به في الصلاة، في أعمال الرحمة، في الزكاة لله، وفي المسامحة”.
أضاف: “نريده وطنا يجسد القيم الإسلامية وليس فشل بعض المتطرفين الذين يخافون من أن ينتصروا على ذواتهم ورذائلهم، فيتلطون خلف الدين وخلف بعض الفتاوى التي يخرجوها على قياسهم، متناسين عظمة التنزيل وقيمة الصلاة ودور النبي في حمل عبدة الأصنام إلى عبادة الإله الحي. فإننا نلتقي معهم في الوحي، فلا بد وأن نلتقي في الحياة وفي العمل وفي الشهادة. فأرجو أن تكون دماء الشهداء، والمغيبن في الحرب اللبنانية، وكل الذين خسروا جنى أيديهم، قرابين تدخلنا جميعا إلى عيش أمين وتعاون صادق، يعكس ما يفيض به إناء كل واحد بما فيه من فضائل ومن وعي لدور الله في حياته”.
تابع: “فللجميع نقول إن يوم الحساب ليس بعد الممات فقط، بل في كل موقف نأخذه اليوم في علاقتنا مع بعضنا. وعليه ندعو المسؤولين في الدولة للوقوف وقفة جريئة في هذه الظروف الصعبة، وليتساموا عن الأرباح المباشرة والسريعة ويعملوا بتعاليهم عن المكتسبات الشخصية في بناء دولة القانون وتأليف الحكومة، إذ ليس من العدل، وقد أوكلوا إدارة حياة الناس، أن يسيروا بها إلى الهاوية ويعرضوا الوطن إلى مخاطر نحن بغنى عنها”.
وسأل: “فمن سيهتم بحياة الناس؟ من سيسأل عن لقمة عيشهم؟ من سيمنحهم رزقهم ليعيشوا بكرامة؟ من سيتابع قضية أولادهم المفقودين؟ إذا كان القيمون على سياسة البلد منغمسين بحسابات صغيرة “لا تقيت، ولا تشبع” في حين يعاني أبناء وطنهم الأمرين لبناء حياتهم.
ليرحم الله كل الذين سبقونا إلى ديار الحق، أولئك الذين قدموا حياتهم من أجل هذا الوطن، ولنكن على قدر تطلعاتهم وتضحياتهم، فنجعل من بلدنا مكانا يليق بالإنسان وبالمؤمنين بالله”.
وختم بالقول: “وليفرج الله ضيق الأهل والأصدقاء الذين يعانون لغاية اليوم، ونحن منهم، من اختفاء أولادهم، ولتكن عذاباتهم بخورا يعطر تراب هذا الوطن وسماءه، وليمن علينا الله جميعا بمراحمه، لنشيد بحمده ونكون على مثاله ابرارا وقديسين، له المجد إلى الأبد”.