|
|
على طريقة «كم أرزة عاجقين الكون»، ما زال بعض السياسيين اللبنانيين يتصرّفون وكأن النظام الكوني قائم على «كعبية» واحدة اسمها لبنان، وكأن العالم كلّه لا يهدأ له بال قبل أن يطمئن على الوضع في الوطن الصغير!
هذا يراهن على اهتمام أميركي، آخر يتحدث عن رعاية أوروبية، وثالث ينتظر مبادرة عربية، ورابع يتطلع إلى إشارة إقليمية، وهكذا.. وكأن لا شغل لعواصم القرار الدولي والعربي والإقليمي إلا متابعة سخافات السياسة اللبنانية، والتلهي بسجالات السياسيين اللبنانيين، الخالية من المنطق والموضوعية!
ولعل «مرض» التطلع إلى الخارج، والاعتماد على دعم وتعليمات الأشقاء والأصدقاء، هو إحدى أبرز العلل في الجسم السياسي اللبناني، والذي أدى إلى تفريغ النظام الديمقراطي التعدّدي من مضمونه الحضاري، وتسبّب بتعطيل الممارسة الديمقراطية الصحيحة، وأوقع بالتالي، الدولة والمؤسسات الدستورية في دوّامة الفراغ والتعطيل القاتل!
صحيح أن حلول الأزمات اللبنانية المتلاحقة، كانت تأتي دائماً من الخارج، وغالباً ما تكون نتاج توافقات، أو على الأقل، تقاطعات مصالح، بين الدولي والإقليمي. هذا ما حصل عشية إعلان الاستقلال والتوافق على الميثاق الوطني غير المكتوب. وهو ما تكرّر لاحقاً في أزمة 1958، وما تلاها من مشاكل مع الفلسطينيين انتهت بـ «اتفاق القاهرة»، إلى أن كان آخرها اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب البغيضة، وبمستوى أقل اتفاق الدوحة الذي لملم جراح 7 أيار، ولكن بنوده لم تصمد أمام المتغيّرات الإقليمية، التي أطاحت حكومة الرئيس سعد الحريري!
ولكن إذا كانت كل تلك الوقائع صحيحة، فإن الأصح اليوم أن يُدرك أهل السياسة عندنا، أن المرحلة الصعبة التي تمر بها المنطقة، والعواصف الهوجاء التي تضرب أكثر من بلد عربي، بدءاً من مصر وسوريا، وصولاً إلى ليبيا والعراق، والجهد الدولي المتركز على محاولة حصر النيران المشتعلة في أكثر من بلد عربي في نطاقها القُطري، تجنباً لاندلاع فوضى مدمرة في الإقليم، تهدد إمدادات النفط ، وتشكل خطراً على السلم الهش في المنطقة!
* * *
وعلى ضوء هذه المعطيات، وما يواكبها من تطورات دراماتيكية في الإقليم، لم يعد مستغرَباً القول ان لبنان يكاد يكون غير موجود على أجندة عواصم القرار الدولي والإقليمي، أو هو على أبعد تقدير، قد يكون في أسفل قائمة الأولويات الإقليمية والدولية!
ولعل غياب الموفدين الدوليين، وسكون الديبلوماسية اللبنانية، والاكتفاء بحركة السفراء المعتمدين في بيروت، والتي تغلب على معظمها اللعبة الإعلامية، يؤشر على قلة الاهتمام الخارجي بالوضع اللبناني في هذه المرحلة، بعدما تمّ إبلاغ الأطراف اللبنانية الفاعلة بضرورة الحفاظ على هذا الاستقرار الهش، وعدم محاولة اللعب بالنار الأمنية، التي ستحرق أصابع أصحابها، في حال أقدموا على تجاوز الخطوط الحمر!
إزاء هذا الواقع الذي لا يخلو من المرارة، أصبح الرهان على التطورات المحيطة بنا نوعاً من المقامرة بمصير الاستقرار في البلد، خاصة وأن كل المؤشرات تدل على أن لا حسم سريعاً في الملفات الرئيسية التي تشغل العواصم الكبرى دولياً وإقليمياً.
{{ بالنسبة للأزمة السورية، ليس في الأفق ما يُنبئ بقرب التوصّل إلى حل سياسي بين النظام والمعارضة. وليس ثمة أي مؤشر على إمكانية حصول الحسم العسكري لمصلحة النظام أو معارضيه في المدى المنظور، الأمر الذي يعني أن الحرب السورية مرشحة للاستمرار أشهراً أخرى على الأقل، خاصة بعد التعثر الظاهر لانعقاد مؤتمر جنيف - 2.
{{ الوضع المتفجر في العراق مرشّح للاستمرار أيضاً على إيقاع استمرار الحرب السورية من جهة، وغياب الحد الأدنى من التفاهم بين حكومة المـالـكي ومعارضيها من الشيعة والسنّة والأكراد.
{{ الحوار الأميركي – الإيراني معرّض في أية لحظة لانتكاسة جدّية، في حال استمرت تحفظات الحرس الثوري الإيراني، والجناح المتشدد في السلطة على سرعة انفتاح روحاني على الإدارة الأميركية، وتقديم تنازلات متسرعة في الملف النووي.
{{ التقارب الإيراني – الخليجي، والسعودي خاصة، قد يحتاج إلى بعض الوقت قبل ظهور خطواته العلنية، نظراً لحجم الملفات الخلافية التي تُباعد بين ضفتي الخليج العربي، والتي ستؤدي برمجتها إلى تسريع زيارة الرئيس الإيراني المؤجلة إلى المملكة العربية السعودية.
* * *
إزاء هذا المشهد المضطرب في الإقليم، والذي يتداخل فيه الإقليمي مع الدولي، يحق لكل لبناني قلق على وطنه، وعلى مصير عائلته أن يتساءل:
– إلى متى ينتظر أهل السياسة الانفراج في الخارج؟
– ماذا لو تعثرت خطوات الصفقة الأميركية – الروسية حول سوريا والملف النووي الإيراني؟
– ومَن يتحمّل المسؤولية الوطنية والتاريخية لانهيار الدولة في حال تأخرت «كلمة السر» بضعة أشهر أخرى؟
تساؤلات وغيرها كثير.. لا يتردد أصحابها في إطلاق صفة «الخائن» على كل سياسي يُصرّ بمواقفه على تعطيل مسيرة الدولة، وإيصال البلد إلى هاوية الانهيار، على اعتبار أن الإمعان في التعطيل وصل إلى مستوى الخيانة العظمى للبلاد والعباد!