“جريمتك لن تـُغتفر”…
يوسف الخوري
يوسف الخوري
وكأن هذا الغول الحاقد لا يشبع من أجسادنا. وكأنه لا يرتوي من دمائنا. أو لعل تكوينه المريض بحاجة دائماً كي يستمر في الحياة، إلى أجساد كأجسادنا طاهرة ودماء كدمائنا زكية.
ليس لنا أن نناقش هذا المجرم في ما هو عليه، فنحن نعرفه منذ أكثر من ثلاثين عاماً. هذه طبيعته، طبيعة وسخة نتنة عفنة مقرفة يبدو أمامها هولاكو حمامة وديعة أو ينبوعاً عذباً.
وليس لنا أن نسأل “إخوة” لنا في الوطن عن إفتخارهم بأنهم وهذا المجرم على تحالف وفي خندق واحد لينتصروا، “فقضيتهم أكبر من لبنان” كما يعلنون جهاراً نهاراً ولا بأس إن تقطـَّعت في سبيلها أجساد إخوة لهم “أشلاء وأيدياً وأرجلاً ورؤوساً”. ففي سبيل “القضية” يصبح المجرم أخاً والأخ محلـَّلاً جسده والدماء.
ولكن لا يمكننا أمام جسد النقيب الشهيد وسام محمود عيد المفحَّم ومرافقه حتى الإستشهاد الرقيب أول أسامه مشهور مرعب، ومواطنين أبرياء ذنبهم فقط أنهم لبنانيون وأنهم ما زالوا يسعون وراء الحياة بحب وشغف رغم المشقات، لا يمكننا أمامهم إلا أن نسأل “زعيم الغفلة”: ألم تشبع بعد؟ ألم ترتو؟ ألم تكتف؟
ألم يكفك جبران الذي كنت تستقبله بصيحات الإستهجان أيام الإنتخابات في العام 2005، فيما كان حلفاؤك يرفعون صوره معتمراً القلنسوة اليهودية في النبطية ومواقعهم الإلكترونية تصفه بأبشع النعوت وتتوعَّده بالمصير الأسود؟ جبران، هل تذكر جبران؟ وهل تذكر كيف سرتَ جنباً إلى جنب في تلك التظاهرة مع حلفائك بعد إستشهاده تصيحون “نعيماً يا جبران”؟ أم في سبيل “قضيتك” ترخص دماؤه ويطيب نسيانه؟
ألم يكفك بيار الذي كنت تـُحقـِّره وتسخر منه على شاشات التلفزة وتصفه بـ “بيبو” وبـ “ذنب الحريري”؟ بيار هذا الفتى الكتائبي الواعد رمز شباب لبنان الحر، أم أنَّ لأجل “رسالتك” يرخص كل لبناني حر؟
وهل نسألك عن دماء رفيق الحريري وباسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي ووليد عيدو وأنطوان غانم واللواء فرنسوا الحاج ورفاقه في السلاح والمواطنين الابرياء؟ وعن جروحات وعذابات مروان حماده والياس المر ومي شدياق وغيرهم؟ وعن الشهداء المواطنين الأبرياء والجرحى وآلامهم؟ أم أننا إن سألنا نكون نمنحك لذة السخرية من بساطتتنا وبراءتنا لأننا لا نعرف أنه في سبيل “مشروعك الخلاصي” تهون “معركة دموية وحرب أهلية ” وآلاف الضحايا والشهداء وأنهر من الدماء؟
متى تكتفي يا مصاص الدماء؟ متى يرتوي حقدك من أجساد شعبنا ودمائه؟ وهل يمكن أن نمنـِّن النفس بأن دماء النقيب الشهيد وسام ورفيقه أوسامه ورفاق الإستشهاد من المواطنين الأبرياء، قد تجعل فيك ذرة من صحوة ضمير فتوقف غيِّك وحقدك وتعود عن ضلالك لعلك بعد تكفير طويل تنال المغفرة؟
هل يمكن أن نعتقد لحظة أن شهيد الوطن والحرية والإستقلال وفرع المعلومات قد يشفي غليلك؟ فلقد “تضبضب أحد زعران فتفت” وسقط شهيداً، فهل تكفي دماؤه الزكية الطاهرة كفـَّارة لتتخلى عن أهوائك وأحلامك المستحيلة وشبقك إلى الكرسي فننقذ الوطن، أم أنك كمثل أصدقائك الجدد- القدماء لعلة في تكوينك المريض بحاجة دائماً إلى دم نقي وجسد طاهر لتستمر فيك الحياة؟
أقول لك أيها الذئب المفترس بثياب حمل، يا مَن في سبيل أهوائك وغرائزك وهوسك الرخيص أوقفتَ مسيرة شعب، وحطـَّمت قروناً من النضال والصمود وتاريخاً مزروعاً بقوافل الشهداء الأبرار في سبيل الحرية والكرامة، وسلـَّمتَ وطناً كان بدأ طريق الخلاص إلى جلاده ليعيده على درب الجلجلة.
أقول لك: للبنان ربّ يحميه ورجال مستعدون ليفتدوه بدمائهم وأجسادهم ليعود حراً عزيزاً كريماً، وهم لن يبخلوا مهما غلت التضحيات. فأرضه طاهرة مقدسة وتستحق، ولهؤلاء الأبرار جنة الخلود.
أما أنت أيها الحقود اللئيم، فإلى الصفحات السود كقلبك. ملعون أنت في السماء وعلى الأرض. ملعون أنت بين البشر. ملعون أنت بين الملاعين. ملعون أنت من “أول الدني تتخلص الدني”. منبوذ حتى من السفلة. مطرود حتى بين الجرذان والفئران. جريمتك لا تـُغتفر. جريمتك لن تـُغتفر. لن يرحمك التاريخ. لن يرحمك الله، وستحترق في نار العذاب الأبدية. إلى الجحيم ، إلى الجحيم، حيث لن ينفعك البكاء وصريف الأسنان، وبئس المصير…