#adsense

من يجعل من المغتربين غرباء عن وطنهم؟

حجم الخط

من يجعل من المغتربين غرباء عن وطنهم؟

يُكرر العديد من 8 آذار إسطوانة استخدام المال السياسي من قبل الأكثرية، خصوصاً هذه الأيام، من دون أن ننسى الأيام الخوالي، حيث دأبوا وبقوة وبصفاء وبورع وبفضائل عالية على ترويج هذه التهمة. لكن تأخذ هذه الأسطوانة اليوم مدلولاً كبيراً لارتباطها المباشر بالانتخابات النيابية، استباقاً للنتائج المتوقعة، باعتبار أن الذين يسوقون، ومنذ مدة طويلة، هذه "الحقائق" عن "المال السياسي" يُنزّهون أنفسهم عن هذه "الآفة" ويبرئون "جيوبهم" من ذهبها وخيراتها ودولاراتها "النظيفة" المنظفة. وعندما تسمع بعضهم يشرئب "هجوماً" على هذا المال، فلأنه يتهم الآخرين (وأقصد الأكثرية) باستخدام هذه الوسيلة "النكراء"، "المُحرمة"، إزاء ماله "الحلال"، ومزاريب "المساعدات" التي تسيل عليهم من هذه الجهة العربية أم من تلك الأعجمية… وكل ذلك يعني أن كلاماً موقتاً الآن يقصد به "الرشوة" الانتخابية بامتياز، وشراء الضمائر (وضمائرهم ممانعة عن الرشوة ليس بالمال وحده بل بالسلاح الذي يوزع، وبالمرتزقة من كل حدب وصوب، وكذلك بتصدير التخلف؛ فالتخلف أيضاً، والتقهقر، والكانتونية تحتاج أيضاً الى مال لكي ترسخ وجودها وهو متوفر بغزارة).

ولو عدنا الى المرحلة السابقة عندما كان البلد ينقسم الى يمين ويسار، وتقدمية ورجعية، وإمبريالية ووطنية، لوجدنا أن هذه "الظاهرة" كانت متفشية أيضاً، لكن كان يتم التصنيف آنئذ تصنيفاً "إيديولوجياً"، ويُصنّف الدولار (لا غيره!) وفقاً لهذه المعايير السياسية: فيحكى عن بترو ـ دولار ثوري مسموح ومبرر وضروري في المعارك التحريرية والوطنية، وعن بترو ـ دولار رجعي يخدم "أعداء" الأمة العربية، وأعداء المشروع الوطني، إذاً فلنفتح خزائن البترو ـ دولار الثوري على مصاريعها. إذاً، كان التصنيف مختلفاً في الزمن الإيديولوجي، عما هو اليوم في الزمن المذهبي والطائفي، لينتقل التصنيف حالياً وبقوة وإصرار الى لغة أخرى فيقال "بترو ـ دولار" إيماني تحريري نظيف (لا شبهة بمصادره ولا بمآلاته ومصباته)، وبترو ـ دولار "قذر"، "موسخ"، "ملطخ"… فالأول حلال حلال والآخر حرام حرام. الأول "حر" مترفع عن الرشوة، والارتزاق، على المستويات "الحزبية" والطائفية، والفردية والآخر غارق في الوحل: البترو ـ دولار 8 آذار أبيض هفهاف يُطهّر الجيوب والأجهزة الهضمية والشرايين والوعي والقلوب والوجوه والعيون والأصوات، والآخر يغزوها بالأوبئة. وعليه، فإن الذين "يقبضون" البترو ـ دولار (بطريقة تبييض الأموال) من أهل الحروب والانقلاب والمتواطئين مع القتل والقتلة ومفجري السيارات المفخخة، وأهل الغزو، من "واجبهم"، "الشرعي"، و"السياسي"، و"الممانع" أن يلهفوه؛ أما الآخرون، فكل دولار يقبضونه إنما هو رصاصة "تصيب" قلب الوطن والمواطن والقضية والمواجهة (هل تتذكرون جبهة التصدي والصمود! يا عين! أو "دول الطوق"، يا عين يا عين لم يتغيّر شيء!).

ونظن أن استثارة هذا الموضوع راهناً، وبهذ "البأس" (من قبل ذي البأس وعنتر زمانه… جنرال الأعوان بلا عون وسواه من جنرالات المنقلبات والوصايات) ما هو إلاّ من الممهدات للتشكيك "سلفاً" بنتائج الانتخابات النيابية المقبلة. وإذا تجاوزنا قليلاً الداخل الى بلاد الله الواسعة، أي المغتربات اللبنانية، نجد أن مطلقي هذه التهم، إنما يريدون أولاً وأخيراً، وبعد اكتشافهم أن لبنانيي الاغتراب ليسوا معهم، أن يبرروا تراجعهم، بنقل التهمة الى المغتربين أنفسهم، ليتهموهم بقبول رشوة المال السياسي ويقصدون جمهور 14 آذار الاغترابي. فالمرتشون التاريخيون، وقباضو "المليارات" النظيفة، و"مستلمو" الأسلحة "الحديثة"، ومروّضو "القواعد" (التاريخية)، ها هم يلطخون سمعة أهلهم المغتربين الذين يعملون في الخارج ويساعدون ذويهم، ويغذون الاقتصاد، في الوقت الذي يوزع هؤلاء "النظفاء" الأموال على عشرات الألوف من الشبان المتفرغين للهتاف، للنزول الى الشوارع وقطع الطرقات، وتكسير السيارات، وغزو الأحياء… إذاً صنّف هؤلاء "المصنّفون" المشهورون المغتربين كما يصنّفون الدولار: المغتربين "الحلال" الذين الى جانبهم، والمغتربين "الحرام" الذين يساندون الأكثرية؛ تماماً كما يصنف بعض 8 آذار "الأساسيين"، الشعب اللبناني بأكثرية عميلة وأقلية ممانعة! فالتصنيف الدولاري "شغال"، على الناس، شغله، ربما، غداً، على المناطق، والدواب، والدجاج، والشجر، والمواشي، وحتى البرغل والعدس: وهذا من إرث الحروب الماضية حيث صنّف لبنان بين شارع وطني… وشارع غير وطني!…

وإذا كانت "المسألة" الداخلية بما يخص هذا التصنيف معتادة، فإن ما هو "خارق" و"فاضح" وأسطوري أن تصل حبال هؤلاء "التُّبع" للخارج وللوصايات، الى أعناق أهلهم المغتربين، بحيث يمكن أن يوصفوا في الغد القريب في خانة "الغرباء". وهكذا يكون المغتربون الذين يعيشون غرباتهم القاسية باتوا في حكم "الغرباء". بل ويمكن أحدهم غداً من "أزرار" الوصايات المكبوسة بإصبع المخابرات (الخارجية) أن يشكك بلبنانية بعض المغتربين أو كثرتهم، ويتهمهم (ربما) بالتآمر على البلد، والتعامل مع أعداء "الأمة" (أي أمة ربكم)، تماماً كما يعاملون أكثرية الشعب اللبناني. بل وقد لا يرعوي بعضهم عن تسمية هؤلاء المغتربين بالقطيع (جنرال الهزائم وصف عندما كان يهاجم حزب الله جمهوره بالقطيع، وها هو اليوم يصف جمهور الأكثرية بالقطيع)، أو يلصقون بهم أبشع النعوت (وحناجرهم الخشبية جاهزة!).

والأغرب أن هؤلاء الذين يعاملون المغتربين بـ"الغرباء"! كأنهم يضعونهم في بازار إنتخابي رخيص، ويتهيأون لجعلهم مادة تشكيك بالانتخابات (إسألوا ميشال عون ذاك المليونير المغترب ـ المنفي في باريس من أين له هذا). بل وباتوا يعتبرون في بعض إعلامهم العلني وفي دسائسهم الصغيرة، أن ربما مجرد الاتصال بهؤلاء المغتربين تهمة قد تعادل في المستقبل تهمة التعامل مع إسرائيل (بعض رموز الأقلية كان دليل شارون في بيروت والمناطق… إسألونا عن أسمائهم فنسميهم). ولا تظن أن هذا المستوى المنحط مع المغتربين له نظيره في العالم. ففي كل العمليات الإنتخابية في الشرق والغرب، يصوّت مغتربو البلدان في أماكن إغترابهم: حتى في سوريا وتونس والمغرب… وباريس! وهذا من حقهم المقدّس. إلاّ عندنا حيث تتم مقايضة خفض سن الاقتراع الى 18 عاماً بإعطاء الحق للمغتربين بالتصويت!.. هنا في الوقت الحاضر، أي السفر الى بلادهم (ونظن أن لبنان بلاد هؤلاء المغتربين ومآلهم أكثر من العديدين المرتهنين بجمهوريات الموز والخس والفستق والبندورة). فإنهم لا يحاولون فقط تصنيف "الدياسبورة" اللبنانية بالغرباء، بل يريدون أن يفصلوهم نهائياً عن وطنهم الأم وقطع وشائجهم ليتاح ربما لهم (في الوقت المناسب) أن يجروا عمليات تجنيس لغير اللبنانيين ومن أصناف إنتخابية معينة. وقد رأينا في الانتخابات الماضية لا سيما في زمن الوصايات كيف كان يشحن "المجنسون" من بعض المناطق والبلدان المجاورة بالشاحنات ليصوتوا لودائع هذه الوصاية أو تلك! وهذا يعني ان هؤلاء "الأشاوس المباركين"، يضعون المغتربين اللبنانيين في مرتبة ادنى من الذين "جنسوهم" لأسباب انتخابية! فبرافو!

وعندما نقرأ ان المغتربين اللبنانيين أو من ذوي الأصل اللبناني يفوقون الـ 13 مليوناً في العالم، نتساءل: ماذا علينا ان نفعل لربط هؤلاء بالوطن، اما باعادة تجنيس من فقد جنسيته (المهاجرون في نهاية القرن الماضي)

أو جذب المغتربين الجدد (من أيام الحروب الى وطنهم). ونحن هنا لا نطالب فقط بتحييد هؤلاء المسحوقين بلقمتهم وغربتهم عن هذه "التهم"التافهة والمقصودة (والتقسيمية) بل باصدار قانون يسمح تلقائياً لكل من هو من أصل لبناني بالحصول على الجنسية اللبنانية فيتصل اللبنانان بأواصر مواطنية واجتماعية وانتمائية!

واذا كان هؤلاء يدخلون من ذريعة الباب السياسي المالي لقطع العرى بين المغتربين والوطن، ومن باب الطائفية ايضاً، ومن باب التشكيك فان من المحتمل، اذا فشلت محاولاتهم في ثني هؤلاء عن المشاركة في الانتخابات الى اللجوء الى وسائلهم العزيزة على جيوبهم ومخوخهم وثقافتهم (وثقافة اربابهم) اي العامل الأمني: فمن الاتهام بالرشوة الى الطائفية، الى التهديد فالى تفجيرات "امنية" في بعض المناطق لترويع المغتربين والحؤول دون مجيئهم الى لبنان: جريمة مثلثة اذاً ترتكب في حق هؤلاء الذين يعانون الغربة: الرشوة (اسألوا زغلول الرابية وغريدها وزجالها وطبالها) الطائفية ثم الترويع؛ وهي الاساليب التي استخدموها وباتت مدموغة بهم كماركة مسجلة باسمائهم الجلّى!

ونظن ان المسلسل التفجيري ـ الانقلابي (الديموقراطي) الذي شهدنا فصولاً على امتداد السنوات الأربع، ها هو يطل مجدداً: اطلاق النار على سيارتي القاضيين. (استهداف القضاة لارهابهم مع اقتراب بدء المحكمة الدولية اعمالها)، اغتيال القائد الفلسطيني في محاولة اشعال فتنة فلسطينية كما فعل اربابهم بين غزة (حماس) والضفة (السلطة) العثور على سيارة مفخخة قرب منزل الرئيس امين الجميل. انها عينات اختبارية تذكر اللبنانيين وخصوصاً اكثريتم بأنهم غير "احرار" بممارسة حقهم الانتخابي الا ضمن خرائط هؤلاء، وضمن مخططاتهم واستراتيجيتهم في السطو على البلد. والادهى ان هؤلاء الذين فشلوا في ثني الاكثرية الشعبية عن تأكيد وجودها الديموقراطي السلمي برغم كل الاعتداءات والغزو والمنقلبات. ها هم يطمئنوننا بان لبنان واياً تكن نتائج الانتخابات محكوم بالديموقراطية التوافقية" بالمعنى التعطيلي، وبأن هذه النتائج لا تعكس الواقع الشعبي: باعتبار ان اسطوانة "الاكثرية الوهمية" ستبقى شغالة تحت عنوان ان الاكثرية الانتخابية اقلية، وان الأقلية أكثرية. واذا تعذر ذلك فالشعار الكبير الفضفاض جاهز "ديموقراطية الاجماع". هذه الخرافات المشهودة التي يروجها ميشال عون الذي لم يترك أحداً لا من الموتى ولا من الأحياء ولم يشتمه: من ريمون اده الى آل الجميل الى حافظ الاسد الى كميل شمعون الى سليم الحص والسنيورة الى رينيه معوض وإميل لحود والياس الهراوي فإلى حزب الله، واليوم نبيه بري من دون ان ننسى رفيق الحريري وابنه الشيخ سعد والشهداء جبران تويني وسمير قصير وجورج حاوي… فالى نائلة تويني ونديم الجميل… وخصوصاً البطريرك صفير ونسيب لحود… وميشال المر ووليد جنبلاط وصولاً الى الاعلام: المؤسسة اللبنانية للاعلام و"المستقبل" و"النهار" ولوريون لوجور والجسم القضائي.. كل هؤلاء وسواهم شتمهم ميشال عون.

ونظن ان ما يزال في جُعب هؤلاء الكثير من "علبة باندور" والكثير من الرسائل والوسائل "التعطيلية"… التي سيتعتمدونها لاحقاً!
مع هذا فالاكثرية الشعبية ازدادت اكثرية عشية الانتخابات والاصرار ازداد اصراراً عند هؤلاء على التمسك بالقيم التي صنعت دور لبنان: الديموقراطية، التعددية، الحرية، النظام البرلماني، العدالة، فصل السلطات… تحت عباءة اتفاق الطائف: اي تحت عباءة الاتفاق الذي اجمع عليه اللبنانيون بعد حروب ومآس، اي الاتفاق الذي يريدون ان يستبدلوه باتفاق الدوحة… الذي تم نتيجة الضغوط التي تمثلت بغزوة 7 أيار!

واذا لم تنجح لا المنقلبات العبثية ولا الاعتداءات على الأحياء والمدن ولا البؤر الامنية ولا الغزوة الجاهلية لبيروت والجبل… في تخويف اللبنانيينن، فاننا نظن بل ونؤكد انه، ومع تقدم موعد الانتخابات ستتقدم شعبية الأكثرية ولن تعود العقارب لا الى عهد الوصايات في زمن السبعنيات ولا زمن الوصايتين بعد الثمانينات!

فالتضحيات التي بذلها لبنانيو السيادة والاستقلال والحرية كفيلة ان تفسد كل مخططاتهم التعطيلية، بحيث بات بمكن تسمية هؤلاء "بالتعطيليين".. او بروّاد التعطيل: تعطيل الدولة والمؤسسات والوطن والشعب!

واخيراً: فلا المغتربون سيصيرون غرباء ولقطاء ولا المقيمون سيصيرون جاليات "أجنبية" ولا تهمة المال السياسي ستغطي "مالهم" المدفاق ولا الاستناد الى الطائفية… ستبرر حملاتهم الطائفية والتقسيمية والكانتونية!
وان غداً لناظره قريب!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل