الحرارة مع المختارة توتّر علاقة عين التينة مع قريطم!
تفاهمات «فوق الطاولة وتحتها» لـ«تنظيم» الاختلاف السياسي
لا يعرف قياديو قوى 14 آذار ما هو سبب تأخير إعلان اللوائح الانتخابية…
هم لا يعرفون أصلاً متى موعد إعلان هذه اللوائح، على اعتبار أنهم من الذين ينتظرون أن ترسو على أسمائهم «كرة اللوتو»، لعل فيها تمديد للحظ الذي منحهم قبل أربع سنوات «جائزة» اللوحة الزرقاء، فما تمتعوا بها ولا نعِموا بـ«فخامتها»…
لا يدري قياديو 8 آذار وقوى المعارضة الذين أقصتهم «الرياح الشمالية» عن مقاعد «تنعّموا» بحلاوتها طيلة سنوات، أو أولئك الذين جاءت بهم الـ«تسونامي» إلى برّ ساحة النجمة، أسباب غياب آلية موحدة لتركيب اللوائح الانتخابية في كل الدوائر الانتخابية.
هم لا يعرفون أصلاً إذا كانت هذه «المعارضة» قادرة على التماسك في ظل الشعور بأن الحاجة إليهم قد انتفت، أو أن احتمالات التوافق في دوائر محددة ستطيح بهم في دوائرهم، وسيدفعون ثمن التفاهمات الكبرى وتوزيع المغانم ليصبحوا في دائرة الاستهداف «الداخلي» قبل أن ينقض عليهم الخصوم ليشفوا غليلهم مضاعفاً، بالأصالة عن نفسهم وبالوكالة عن دوائر أخرى فُرضت فيها صيغ الائتلاف أو التفاهم فوق الطاولة وتحتها، وباتوا هم كبش الفداء مع «الشركاء» الجدد الذين التحقوا بهم خاسرين من جبهة الخصوم، حتى يمكن بهؤلاء معاً تشكيل «رابطة الأعضاء السابقين» في جبهتي 8 و14 آذار.
ربما، بسبب هذا الشغف الانتخابي، لم يدرك هؤلاء أن المتغيرات تسير بخطى ثابتة نحو إنتاج سلطة جديدة هي مزيج من سلطة ما قبل 2005 وسلطة ما بعدها.
وربما لهذا، لم يسمع هؤلاء «صراخ» رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط قبل أشهر، وهو الذي يعتلي صارية سفينة 14 آذار، بأن الرياح تقودهم إلى مكان مليء بالصخور، ثم عندما أطلق صافرته بضرورة إدارة دفة السفينة. لكن الصخب الذي كان جارياً على سطح تلك السفينة حجب نداء وليد جنبلاط لحلفائه أن «أنزلوا الأشرعة واعتصموا بحبالها» حتى لا يلقيهم الارتطام بالصخور المرتفعة إلى تلك المياه الباردة التي لن تنعش «حَمَلَة الرايات» في مقدّم السفينة وفي مؤخرها وعلى جانبيها.
انتهى جنبلاط من مرحلة «التحذير» ودخل مرحلة «التطبيع»، فقرر وحيداً ارتداء «عدة» السباحة مع التيار، من دون أن يدرك حلفاؤه أنه قد بُحَّ صوته، ولم يعد قادراً على مخاطبتهم إلا بالإيماء والإشارة لعل «اللبيب» فيهم ينوب عنه في إنزالهم من تلك السفينة التي تصدعت بفعل ارتطامها المتكرر بالصخور التي استخدمها جنبلاط «جسر عبور» إلى «البرّ الجديد»…
وربما بسبب تلك «المرارة» لم يشعر قياديو المعارضة أن مساحة الرمال صغيرة وأن الشاطئ ضيّق ولا يتسع «لأكثر من 128 محبّاً»… وهم كانوا يمنون النفس بأن «تضحياتهم» لن تذهب سدى، وستحتسب لهم يوم يبدأ توزيع «مغانم» انتصار هذا الخيار الذي التزموا به كـ«القابض على جمر من نار».
هي الصفوف تتفكّك، وهم الجنود الذين أُعطي قسم كبير منهم «إجازة قسرية»… ومن دون راتب ولا تعويض، ربما لأن هذه التعويضات كانت مدفوعة سلفاً ولأن الرواتب دُفعت مضاعفة خلال سنوات الخدمة باعتبارها «سنوات حرب»… إلا إذا أُوكلت مهمة دفع التعويضات إلى الرئيس فؤاد السنيورة، من موقعه كرئيس للحكومة أو بصفته «الرئيس البروتوكولي» لأولئك «المصروفين» فيحلو له أن يختار آلية الدفع بواحدة من «طرقه» المعروفة: سندات خزينة، أو بالتقسيط… أو شيكات تنتظر مؤونة…
التفكك هو العنوان المقبل إذن للانتخابات، وهذا ما تؤشر إليه مواقف الحلفاء السابقين واللاحقين والمحتملين:
ـ عدم حسم وليد جنبلاط موقفه من ارتباطه بعد الانتخابات بقوى 14 آذار، التي نفد صبره من حلفائه المسيحيين فيها، واكتشف بعد أربع سنوات أنه غير قادر على تلبية متطلباتهم تحت عنوان مواجهتهم مع الخصم القوي العماد ميشال عون. وفي ذلك تأكيد غير مباشر إلى أن جنبلاط مستمر في تجهيز نفسه لإنجاز عملية التموضع التي قد لا تنقله من ضفة إلى أخرى، لكنها حتماً تحرره من قيود ضاقت على معصميه.
ـ ازدياد عناصر الاختلاف بين رئيس مجلس النواب نبيه بري وبين «حليف حليفه» العماد ميشال عون، وهو ما أوحى به حديث العماد عون نفسه إلى الزميل مارسيل غانم في برنامج «كلام الناس»، والذي ذهب فيه إلى ابعد نقطة في ذلك الاختلاف على قاعدة «تعليق» تسمية مرشحه لرئاسة مجلس النواب الى ما بعد الانتخابات النيابية، في محاولة بدت واضحة منه لرسم مسافة إضافية فاصلة بينه وبين الرئيس بري.
ـ استمرار التقارب بين الرئيس بري وجنبلاط بوتيرة مرتفعة كادت أن تساهم في إحياء جزئي لـ«الإتفاق الرباعي» الذي نظم انتخابات 2005، لولا استدراك حلفاء الطرفين إلى «لجم» هذه الاندفاعة بالضغط عليهما لمنعهما من إنجاز هذا الاتفاق، أقله بشكل علني، لكن من دون أن يتمكنوا من إعادة توسيع المسافة التي ضاقت بين الرجلين إلى الحد الأدنى، فنجحوا في تأخير التفاهم ولم يتمكنوا من إلغاء مشروعه الذي بقي قائماً إلى حين توافر الظروف المناسبة لصياغته، طالما أن الرجلين يقرآن في كتاب واحد.
ـ عودة التوتر على خط العلاقة بين عين التينة وقريطم، التي يبدو أن بعض أركانها قد قرروا مؤازرة رئيس الحكومة فؤاد السنيورة في المواجهة مع الرئيس بري، فأطل من جديد التلويح من بعض نواب تيار المستقبل بأنهم لن ينتخبوا هذه المرة الرئيس بري لرئاسة المجلس النيابي المقبل، من دون معرفة الدوافع المباشرة لهذا السقف العالي من المواقف التي يفترض أنها من استراتيجيات المستقبل، وبالتالي لن يجرؤ أحد على إطلاقها «من دون إذن» أو علم مسبق، إلا إذا كان لذلك علاقة بعودة الحرارة بين عين التينة والمختارة.
ـ المؤشرات المتزايدة على تكون مناخات تؤكد نشوء كتل نيابية مختلفة الأحجام خارج الاصطفاف الحالي بين 8 و14 آذار، خصوصاً كتلة الوسط والمستقلين التي يبدو أنه جرى التسليم بـ«أحقية» الرئيس نجيب ميقاتي في قيادتها بحكم الوقائع التي انتهت إلى «تساقط» مشاريعها في مناطق أخرى.
ـ استمرار عمليات «القضم» للكتل النيابية الكبيرة لصالح كتل أخرى مستجدة أو على شكل نواب منفردين.
لكل ذلك، لا يبدو أن عملية «التفكك» التي تطال الاصطفاف السياسي الحاد تحصل بشكل طبيعي إرادي، وإنما «بفعل فاعل» على أساس خطة مدروسة يجري تطبيقها بعناية دقيقة ومحسوبة سلفاً، وهدفها ـ كما قال وليد جنبلاط ـ تخفيف الاحتقان وخلط الأوراق لكسر حدة المواجهة التي شهدها لبنان خلال السنوات الأربع الماضية.
هل تنجح هذه الخطة في خلط الأوراق اللبنانية لإعادة «تنظيم الاختلاف» بين القوى السياسية في لبنان على إيقاع «تنظيم الخلافات» العربية ـ العربية؟
ربما ستكون هذه هي النتيجة الأولى للانتخابات النيابية المقبلة بمعزل عن حسابات الربح والخسارة لمن سيحصد الأكثرية أو الأقلية. وربما كان هذا هو العنوان غير المعلن لهذه الانتخابات، ومن وحيه تحصل التفاهمات خلف الكواليس على قيام ائتلافات لم تكن في الحسبان… فوق الطاولة أو تحتها…