كانت أقرب إلى "حزب الله" وباتت أقرب إلى "المستقبل":
ماذا تغيّر في "الجماعة" بعد استشهاد الحريري؟
ليس سراً أن "الجماعة الإسلامية" كانت من المعارضين للرئيس الشهيد رفيق الحريري، لكن ذلك لم يمنع من تعاون انتخابي في الكثير من المحطات، لا سيما في الفترة التي سبقت استشهاده، وعلى كل حال فإن معارضة "الجماعة" لم تكن مشابهة بأي وجه للمعارضة المرعية من المخابرات السورية آنذاك.
مراجعة العلاقة بـ "المستقبل"
في السابق التقت "الجماعة الإسلامية" مع "حزب الله" على الكثير من العناوين؛ مشروع المقاومة من موقع المؤسس والمشارك الحقيقي قبل أن تؤول الراية إلى "الحزب"، و"حلم" الإصلاح من موقع البعيد عن السلطة المنتقد لأداء الطبقة السياسة، ومشروع الوحدة الإسلامية في زمن ازدهار موسمها. كانت "الجماعة" تشكو من تفرّد "الحزب" بالعمل المقاوم، ومن البون بين أطروحاته الوحدوية وممارساته العملية، لكنها بالمقابل كانت تشعر أنها "منبوذة" من قبل تيار الرئيس الحريري. مع تمادي الوصاية السورية في ممارساتها في ولاية الرئيس إميل لحود الممددة بدأت ملامح التقارب مع الرئيس الحريري تظهر. ثمة مراجعة مشتركة حصلت، ومن المفيد اليوم القول إن الطرفين وقعا تحت تأثير الدعاية المغرضة؛ تخويف الجماعة من الحريري باعتباره "عنوان المشروع الأميركي في المنطقة"، وتخويف الحريري من "الجماعة" باعتبارها "أم الحركات الأصولية والتطرف والإرهاب".
في العام 2004 خاضت "الجماعة الإسلامية" الانتخابات البلدية بالتحالف مع الرئيس الشهيد وتلمّست يومها عن قرب حجم الضغوطات التي قام بها السوريون وأعوانهم لفك هذا التحالف ولرسم مشهد خسارة الحريري في مسقط رأسه صيدا!. ومع استشهاد الحريري في العام 2005 كانت "الجماعة" أول من طالب باستقالة إميل لحود، ومن أوائل الذين طالبوا بمحكمة -عربية ثم دولية- لمحاكمة قتلته. وفي الحقيقة كان لدى الجماعة ما يكفي من أسباب لـ"تثور" على الوصاية السورية التي كانت عبئاً عليها أكثر من غيرها، فضلاً عن علاقتها التي كانت مقطوعة كلياً مع الرئس السابق إميل لحود. وسط هذا الواقع كان ثمة مشهد في غير سياقه ظهر في السادس من آذار 2005 عندما دعا السيد حسن نصر الله إلى اجتماع للأمناء العامين للأحزاب اللبنانية، أذاع بعده بياناً هادئاً، دعا فيه لـ"رفض التوطين، والتدخل الأجنبي، ولتطبيق اتفاق الطائف، ودعم المقاومة"، وقد كان إلى جانبه يومها أمين عام "الجماعة الإسلامية" الشيخ فيصل مولوي، لكن سرعان ما انتبهت "الجماعة" إلى أبعاد حركة الثامن من آذار لا سيما بعد تنظيم تظاهرة "شكراً سوريا"، فطلّقت هذا الفريق طلاقاً بائناً.
لماذا "الالتباس" في مواقف "الجماعة"
بدأت "الجماعة" تبتعد شيئاً فشيئاً عن "حزب الله" لصالح التقارب مع "تيار المستقبل". الأمر لم يكن سهلاً نظراً لعمق العلاقة التاريخية بين التنظيمين الإسلاميين من جهة، ولالتقائهما-إلى اليوم- في نظرة واحدة للصراع مع "إسرائيل" تقوم على "الجهاد" لا التفاوض من جهة أخرى. ويكاد يكون هذا الأمر بمثابة عقيدة لدى أبناء "الجماعة" ومناصريها بمعزل عن أي تقارب أو تباعد عن هذا الفريق أو ذاك. غير أن ذبول مشروع الوحدة الإسلامية من جهة، وانسياق "حزب الله" في ممارسات ومواقف يُشتمُّ منها الرائحة المذهبية بوضوح، فضلاً عن الرفض المبدئي لمرور جريمة اغتيال الحريري، والشعور المتنامي بـ"استهداف" الشارع السني على وجه التحديد، ثم أحداث السابع من أيار 2008… كل ذلك أكد "الفصل" مع "حزب الله"، وهو فصل إن لم يبدُ حاداً على مستوى القيادة، إلا أنه عميق لدى المناصرين، حتى أولئك الذين ينتقدون "تيار المستقبل" منهم!.
لكن "الالتباس" لا يظهر هنا، وإنما في مجموعة تموضعات ومواقف؛ فـ"الجماعة" ليست جزءاً من 8 أو 14 آذار، وهي إن كانت مصنّفة على يمين حركة 14 آذار إلا أنها لا تقطع مع أحد، وتطرح حلولاً توفيقية دائماً. كما أن قواعد "الجماعة" حساسة في المسائل ذات الصلة بـ"المفهوم الجهادي" ضد المحتل، لذلك كانت داعماً حقيقياً مع "حزب الله" في حرب تموز، ثم أصبحت داعماً بارزاً لحكومة السنيورة الأولى بعد تشكيك "حزب الله" بشرعيتها، وهي كانت معنية بدعم "حماس" في غزة، وانتقاد الموقف المصري، كما كانت معنية بانتقاد المحور السوري-الإيراني وتفرعاته!. وهي في الشأن الانتخابي تراعي "المزاج السني" العام، إلا أن ساحتها ليست مهيئة لـ "التضحية" بحجمها التمثيلي لصالح الآخرين. أما قواعدها، وإن كانت مشحونة راهناً ضد "حزب الله" بعد استباحة بيروت وبقية المناطق، إلا أن جزءاً من هذه القواعد لا يُخفي انتقاده لـ "تيار المسقبل"!.
… وتعاني ضغوطاً متعددة
إشكالية التموضع السياسي لـ"الجماعة" لا تقف عند حد الوقوف في منزلة بين الفريقين، وإنما دائماً على قيادة "الجماعة" أن تراعي جملة من التوازنات. فـ"الجماعة" كما هو معروف جزء من مدرسة "الإخوان المسلمين"، لذا فإن عليها دائماً أن تراعي "المزاج العام" لدى "الإخوان"، وهو مزاج لا يهتم كثيراً لتفاصيل الوضع اللبناني بقدر اهتمامه لحركة الصراع مع العدو الإسرائيلي. وبالمقابل فإن ثمة تعاطفاً في صفوف "الجماعة" مع أحد الفروع الإخوانية الذي كان له دور كبير في تأسيس "الجماعة" في لبنان، ألا وهو "الإخوان السوريين". وعلى النقيض من ذلك تقف حركة "حماس" التي تتخذ من دمشق قاعدة خلفية لها، وعلى "الجماعة" أن تراعيها أيضاً، فلفترة قريبة كانت قيادات "حماس" في لبنان جزءاً من "الجماعة الإسلامية"!. وإذا كانت القاعدة لدى التنظيمات الإخوانية أنها حرة في خياراتها السياسية، تبعاً لمبدأ أن "أهل مكة أدرى بشعابها"، الأمر الذي يجعل المشهد العام للتنظيمات الإخوانية غير منسجم، إلا أن قمة التعقيد تتجسد في الساحة اللبنانية، حيث تجد الجماعة نفسها مضطرة للسير على رؤوس الأصابع.
وإلى جانب هذه التوازنات فإن ثمة حرباً ناعمة يشنها "حزب الله" منذ مدة غير قليلة على "الجماعة" لتطويعها، فلا يكاد يخرج أحد من صفوف "الجماعة" إلا ويجد حضانة مالية ومعنوية لدى الحزب. ولطالما عبّرت "الجماعة" في لقاءاتها مع "حزب الله" عن انزعاجها الشديد من هذا السلوك، إلا أنها باتت مقتنعة أن "الحزب" غير مستعد للتراجع، خصوصاً مع اقتراب "الجماعة" من "تيار المستقبل". في هذا السياق ثمة الكثير من الأطر التي يرعاها "حزب الله"، أهمها "جبهة العمل الإسلامي" التي يرأسها الأمين العام السابق في الجماعة فتحي يكن، وهذه جزء من فريق 8" آذار"، وقد كان مشروعها الأصلي شق "الجماعة"، وهي الآن سيف مسلط على مواقف "الجماعة". ويندرج في هذا الإطار أيضاً تنظيم "الفجر" في صيدا والجنوب بقيادة عبد الله الترياقي الذي كان من قيادات العمل المقاوم في الجماعة أيضاً. ثم عدد من الشخصيات لعل أبرزها الشيخ ماهر حمود الذي بات خارج "الجماعة" اعتباراً من العام 1979، وقد بات في حضانة الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى اليوم. ولهؤلاء جميعاً تأثير غير مباشر على قواعد "الجماعة"، وضغط على قيادتها، أو على أحد رموزها (أسعد هرموش في فترة سابقة- علي الشيخ عمار في فترة لاحقة)، من دون أن يظهر "حزب الله" في الواجهة.
ماذا تغير في "الجماعة" بعد استشهاد الحريري؟
إذا كان من المتفق عليه أن اغتيال الحريري شكّل زلزالاً في لبنان، فإنه من البديهي أن تطال شظايا هذا الزلزال أكبر الحركات الإسلامية السنية، ذات الجذور العميقة في لبنان وخارجه.
واحدة من الآثار الهامة لهذا الحدث أن جمهور "الجماعة"، -من غير المنتمين "المبايعين"- بات مشتركاً إلى حد كبير مع جمهور "المستقبل"، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن فريقاً أخذ من الآخر، لكن بالتأكيد أن على من يرسم التحالفات مراعاة هذا الواقع، الناتج أصلاً تقارب في كثير من المواقف بين "الجماعة" و"التيار".
ثمة طروحات لـ "الجماعة" اليوم لا تتناقض مع مشروعها الإسلامي، ولكنها لم تكن ظاهرة بالقدر اللازم قبل اغتيال الحريري؛ فـ"اللبننة" باتت تتقدم على حالة الانغماس السابق في قضايا العالم الإسلامي على حساب القضايا اللبنانية. والاهتمام بالكيانية اللبنانية بات أكثر حيوية. كما بات الارتباط بقضايا الناس أكبر، من خلال خارطة عمل اجتماعي ضخم، بعدما كان التركيز في السابق على العمل المسجدي، ولو أن مسيرة المأسسة كانت قد انطلقت بُعيد انتهاء الحرب الأهلية. وفضلاً عن ذلك فقد أعادت "الجماعة" تظهير نفسها إعلامياً من خلال إذاعة الفجر (المرخصة اعتباراً من العام 2008 للمرة الأولى بعد عدة "محاولات" لم تنل فيها الترخيص)، ومن خلال إطلاقها لمشروع "حزب الإصلاح والتنمية" مطلع العام 2006، وهو حزب سياسي ذي خلفية إسلامية، يضم شخصيات سياسية من "الجماعة"، ومن أطر سياسية أخرى، ومن مستقلين. وقد نال علماً وخبراً (رقم 94/أد)، وتشير وثيقته التأسيسية إلى أنه يسعى "لتنمية الحس الوطني والعمل على بناء دولة المؤسسات وتصحيح مسار النظام اللبناني، وإلغاء الطائفية السياسية واحترام نظام الأحوال الشخصية لكل طائفة، وتطوير قانون الانتخاب، ونشر الفضيلة…" وهي طروحات باتت اليوم من أدبيات "الجماعة الإسلامية".
يمكن قول الكثير في "الجماعة" وعن "الجماعة"، إلا أنها تبقى صمام أمان، في الساحة الإسلامية، التي تموج بأفكار متطرفة، وبمستغلين يسعون لزرعها لدى الإسلاميين، وهنا تبرز أهمية المثال الإسلامي، المرتبط بدينه، والمتكيف مع واقعه، والمنسجم مع أبناء وطنه، بغض النظر عن الخلافات السياسية.