لا تراجع ولا هُزال في ثورة "الاستقلال الثاني"
وصل، اليوم الوضع السياسي العام في لبنان الى حالة من الجمود والتردي في غاية الخطورة، تستدعي معالجة جدية وسريعة لما جرى ويجري.
الأداء الرسمي معطل، بعض القيادات اللبنانية كادت أن تفقد كلياً صوابها، مصلحة الدولة المستقلة تفتك بها غابة من المصالح الشخصية على حساب وطن جامع للكل يطمح أبناؤه الى كل ما هو أمن وأمان على مختلف الصعد، النظام السياسي في جوهره ومجمل تفاصيله يُداس بالأقدام وهو الناظم الوحيد لحياتنا السياسية.
الاستقلال هو مبدأ بديهي يلتزم به كل لبناني. أين هو الاستقلال الثاني، الذي ناضلت من أجله قوى 14 آذار.
هناك تخوف من التراجع عن تعهدات أطلقت، تعيدنا الى تجربة الاستقلال الأول، الذي كان قد تعرض في ستينات القرن الماضي وبين الأعوام 1975 و1990 الى هزات خطيرة من الانقسام حول هوية استقلال لبنان، أو بالأحرى طريقة التعاطي مع ما هو شأن لبناني من جهة، وما يتصل بالعروبة أو أسلوب التعاطي مع العالم العربي من جهة أخرى.
عشت تلك المراحل شخصياً منذ العام 1956، حاولت أن أفهم كل ما جرى وكنت شاهداً عما لحق بوطني من مذلات. كتبت وعلقت، عبر مقالات صحفية وفي ستة كتب، كان أولها، الذي صدر العام 1972 دفاعاً مستميتاً عن القضية الفلسطينية والعربية، وبعدها انصرفت الى الاهتمام الكلي بشؤون ومصائب بلدي.
وخلال السنوات الخمس الأخيرة، دافعت بشراسة عن ثورة الاستقلال، عن رموز وطنية كبرى، اغتيلت لسبب واحد أحد لا غير: انتفاضها المباشر على الوصاية والتبعية السورية.
وعبر مقارنة بسيطة بين ما جرى في الماضي وفي ما نحن فيه اليوم يدفع الى الذهول: دمعة من هنا، وصرخة غضب من هناك، تؤدي الى ضرورة سلوك موقف جريء ينقذ لبنان من الانزلاق نحو الأسوأ، وتفتح أمامه طريق مستقبل هادئ ومستقر.
من استحقاق الى ضوضاء
بعد شهرين وعشرة أيام فقط تجري الانتخابات النيابية، وكان من المفروض أن يتركز الاهتمام بهذا الاستحقاق أولاً بشكل جدي على مستوى السلطة والجهات المعنية به، على أن يؤجل الى بعد الانتخابات البحث في أمور أخرى، غير متصلة به مباشرة.
وإذ بالحكومة ومجلس النواب يغردان في غير أجواء، والسياسيون منهمكون بإصلاحات لا مجال للبحث فيها خلال هذه المرحلة الانتقالية.
من الطبيعي أن تكون عجقة مرشحين، عليهم أن يطرحوا برامجهم، لا أسماءهم.
العملية الانتخابية هي شأن لبناني فقط لا غير، وإذ بالبعض منا يربط استحقاقنا بايحاءات تنزل علينا من مصالحات عربية وإقليمية، ومن قمة الدوحة العربية… نجنا يا الله، من كل ما يشبه "دمعة" بل "دوخة" اتفاق الدوحة اللبناني، الذي ولد من 7 أيار.
الحكومة "المعطلة"
ماذا تنتظر الحكومة، كي تتخذ القرارات الملحة: تعيين أعضاء المجلس الدستوري والمحافظين، إقرار الموازنة العامة، تعيين نواب حاكم مصرف لبنان الأربعة، إقرار مذكرة التفاهم مع المحكمة الدولية؟
نعرف جيداً أسباب هذا التعطيل والقائمين به، هذا لا يعفيكم من اتخاذ القرارات المناسبة، جماعة "الفيتو" حان وقت كسر تسلطها. صوتوا مع مجلس الوزراء، وليبلطوا البحر.
تفصيل آخر: اللبناني نصري خوري، أمين عام "المجلس اللبناني ـ السوري الأعلى" الذي توفي منذ زمن بعيد بالسكتة القلبية، قولوا له: الزم بيتك يا رجل، ولم يعد لك أي صفة كي تتابع التجوال بين بيروت ودمشق.
"وكر نمل" مجلس النواب
جميلة هي حركة مجلس النواب المستعادة بعد أن بدع في الغياب في السنوات الأخيرة، التشريع مهم، لكن التغيير على المسائل الأخرى، ليس مستحباً في هذه الظروف.
في جلسة الخميس 19 الجاري، كان جدول الأعمال مكوناً من 36 بنداً، أقر بند واحد وأجل الباقي الى الخميس اللاحق.
تبني المجلس طرح خفض سن الاقتراع الى 18 سنة، على أن تضع الحكومة نص مشروع قانون بهذا المعنى. من حيث المبدأ خفض سن الاقتراع هو طبيعي في الأحوال الطبيعية، أي عندما يكون وضع البلد طبيعياً على جميع الصعد، في المقال الذي نشرته "المستقبل" في 20 الجاري للزميل وسام سعادة اقرأوا هذا المقال جيداً ـ جاء فيه أنه ليس هناك سن طبيعية. أعطى مثلاً على ذلك، ضمن أمثلة أخرى، ان فرنسا لم تخفض سن الاقتراع إلا في العام 1974، أي بعد مرور ستة سنوات على الثورة الطلابية والشبابية في العام 1968.
نتمنى هنا على رئيس مجلس النواب نبيه بري أن يخفف من "دوز" التشريع، كي يهتم بأمور أخرى: العدول عن موقفه في تعطيل إقرار الموازنة العامة، وألا يتحفنا من وقت الى آخر بطروحات شخصية حول أمور أخرى.
يبدو أن البعض راهن كثيراً على الدور الذي سيلعبه جيل الـ18 سنة في لبنان، معتبراً أن الصغار أتى وقتهم كي يحلوا مشاكل عجز عن حلها الكبار. إذا كان الأمر كذلك، سينتظر الشباب الموعودون بالاقتراع أكثر من 18 سنة إضافية، يستطيعوا خلالها فهم الأخطاء الجسيمة التي يرتكبها اليوم بعض سياسيونا، الذين هم من حيث الفهم والأداء، في سن المراهقة بل "الولدنة" الأخلاقية والفكرية على حد سواء.
زيارات المسؤولين للخارج
زيارات المسؤولين اللبنانيين، التي تكثفت خلال العام الأول من ولاية الرئيس ميشال سليمان، للدول العربية والغربية، هي مهمة، من دون أي شك، من شأن هذه الزيارات أن تعيد لبنان الى الخارطة العربية والدولية.
لكن بعض ما يقوله الزائرون حول الوضع الراهن في لبنان يعكس أحياناً حقيقة وضعنا الداخلي المتردي.
هناك بعض الهفوات في هذا المجال منها:
1 ـ القول إن العلاقات الديبلوماسية بين لبنان وسوريا تمت، فيما هي حتى الآن مجرد مشروع.
2 ـ الإشارة الى بعض الإصلاحات، والتي لم تبحث جدياً في لبنان.
3 ـ تكرار القول إنه من غير الوارد أن تقوم مفاوضات بين لبنان وإسرائيل، فعلت مصر ذلك، وحررت أرضها المحتلة، وسوريا "تدبدب" بيديها ورجليها كي تتفاوض مع إسرائيل، عبر وسيط أو من دون وسيط، سياسة النعامة لا تليق بحكامنا. موقفهم السلبي هذا يشير، وإن عن غير قصد، الى تولي "حزب الله" تحرير "المزارع" وحده بسلاحه أو تفاوضه هو مع إسرائيل، كما لوح بذلك بشار الأسد!
4 ـ الحديث عن المقاومة بشكل مبهم. هذا الأمر ليس مقبولاً، سموا الأشياء كما هي، كي لا يقرها فريق معني على هواه! قولوا للبنانيين وللعالم إن مرحلة المغامرات العسكرية على أرض لبنان انتهت وتحملوا أنتم كافة مسؤولياتكم، من دون الاتكال على أحد.
قوى 14 آذار: الى أين؟
كان علي أن أبدأ مقالي هذا من هنا بالذات، وأطرح السؤال: الى أين وصلتم، أيها الأخوة في "انتفاضة الاستقلال" أو ثورة الأرز؟
بدأتم بنضال واضح الأهداف على مدى خمس سنوات عقدتم مؤتمرين في "البيال" كان ثانيهما في الذكرى السنوية الرابعة لحركتكم المجيدة، برنامجكم كان رائعاً، كاملاً ومتكاملاً، يرسم معالم ما بعد السابع من حزيران المقبل.
وإذ نشهد بداية تصدعاً خطيراً جداً في صفوفكم، على مستوى الترشيحات وتأليف اللوائح الانتخابية من جهة، وعلى مستوى الطرح السياسي العام، من جهة أخرى، وهنا الطامة الكبرى.
في النقطة الأولى، هناك تفرد أو نزعة تسلط تتملك بعضكم في بعض الدوائر الانتخابية.
تحت شعار "المستقلين" بدأت القصة، كمدخل للتفلت من موجب التحالف مع الشركاء في انتفاضة الاستقلال، أو كذريعة للانشطار تدريجاً عن الحلفاء إما في المضمون أو في الخيارات الوطنية الكبرى، فرحنا نشهد التالي:
1 ـ محاولات تقارب مع شخص ونهج رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي بدع في محاربتكم من خلال المجلس النيابي خلافاً للدستور والقوانين والأصول.
2 ـ اتجاه غير معلن لطي صفحة الإساءات الخطيرة التي قام بها "حزب الله" تجاهكم وتجاه لبنان. الغفران هو طبيعي لكن التراخي في مواجهته سياسياً لا يليق بكم.
3 ـ أكبر تحدٍ مباشر وجهه إليكم، أحد أركانكم الكبار، النائب وليد جنبلاط، عندما أعلن في صحيفة "الأنباء" في 24 الجاري أن "الممر الوحيد للعبور الى الدولة يكمن في إلغاء الطائفية السياسية"، فيما وضعت قوى 14 آذار في مؤتمر البيال برنامج مشروعها ككل تحت شعار "العبور الى الدولة". قفزة مريعة من مشروع إنقاذ شامل الى فكرة بسيطة ما هي إلا وجهة نظر لا أقل ولا أكثر.
4 ـ هذا بالإضافة الى توجه عام الى قبول "حكومة الوحدة الوطنية"، وهو طرح مهد لكل ما نشهده اليوم من مساوئ، من خلال سعي المعارضة العظيمة لشل السلطة الإجرائية و"كرسحة" الأداء السلطوي في كل مجال.
حاولوا، أيها الأخوة في ثورة الأرز إصلاح البين في ما بينكم. شعلة الاستقلال الثاني لا يجوز أن تنحر بهذا الشكل.
إنتبهوا جيداً: إذا عجزتم عن إجراء المقتضى وبأسرع وقت، يبقى النضال في يد من يحضر ومن يغيب أو يتراجع، تكون المشكلة مشكلته.
الدم الغالي الذي بذلناه للدفاع عن استقلال لبنان الحقيقي لا يمكن أن يذهب سدى.
التحذير من مشاكل أخرى
ختاماً أود الإشارة الى بعض ما يجري التداول فيه في موضوع قانون الانتخاب المستقبلي الجديد وفي موضوع طرح "إلغاء الطائفية السياسية" في لبنان، علماً أن هكذا مواضيع حساسة ودقيقة ينبغي أن تناقش بهدوء لاحقاً.
في موضوع القانون الجديد الذي يتحدث عنه البعض، نريد لفت الأنظار الى الآتي:
1 ـ النظام الأكثري بالنسبة الى لبنان تحديداً، هو الأسلم، لأنه يُفرز أكثرية وأقلية. الأكثرية تحكم والمعارضة تعارض. والجمع بينهما في حكومة واحدة هو كارثة الكوارث.
2 ـ النظام النسبي يفرض قيام دوائر كبيرة، بحيث يؤدي انعدام التوازن بين رعايا هذه الدوائر الى تغييب التمثيل الشعبي الصحيح.
3 ـ على مستوى تأليف الحكومات، سينعكس النظام الانتخابي النسبي سلباً، إذا كانت الأكثرية النيابية تشكل مثلاً 60% من طاقم المجلس النيابي والأقلية 40%، عندئذٍ قد تطالب الأقلية بنسبة 40 في المئة من الحكومة، سنكون أمام ما هو أخطر من الثلث المعطل، ولا يُحكم لبنان بهذه الطريقة، بالانتقال من دلفة الثلث المعطل الى مزراب تعطيل أوسع وأشمل.
أما مشروع إلغاء الطائفية السياسي وإن نصت عليه مادة في الدستور، فهو مشروع قابل للتنفيذ، وإذا نفذ سيؤدي حتماً الى تدمير الدولة اللبنانية والكيان اللبناني، في خصوصياته:
1 ـ تاريخياً، كانت بعض القيادات الإسلامية تطالب بهذا الالغاء، انطلاقاً من أن الدستور اللبناني القديم كان عملياً يأخذ طابع نظام رئاسي، حيث يحتكر رئيس الجمهورية السلطة الإجرائية بكاملها! وصفت هذه المرحلة بالمارونية السياسية.
2 ـ في التعديل الدستوري، الذي حصل بعد اتفاق الطائف، ألغيت صلاحيات رئيس الجمهورية، وتحولت السلطة الإجرائية الى مجلس الوزراء.
3 ـ من حيث المبدأ، إن "إلغاء الطائفية السياسية" هو هرطقة سياسية كبيرة جداً. شعب لبنان مؤلف من مجموعة أقليات، وأي مساس بمشاعر وحقوق أي من هذه المكونات يهدد بشكل خطير وجود لبنان بالذات.
4 ـ وحتى لا نضيع في متاهة إصلاحات صورية وغير مدروسة. من المستحسن أن تكرس الرئاسات الكبرى الثلاث دستورياً حسب التوزيع الحالي المعتمد، لا يشعر بأي غبن الاخوة المسلمون إذا بقيت رئاسة الحكومة ورئاسة مجلس النواب عائدين لهم. ويشعر بالارتياح النفسي والوجداني على الأقل المسيحيون.. إذا بقيت رئاسة الجمهورية عائدة للموارنة، على أن يعاد النظر في بعض صلاحياتها، بحيث تكون شريكة في السلطة التنفيذية، لا شاهد زور.
5 ـ ولماذا أيضاً مجلس الشيوخ؟ لا لزوم له، المجلس النيابي يكفي وحده.
ونضيف: إلغاء الطائفية السياسية والنظام النسبي هما تهديد مباشر للوجود المسيحي في لبنان، بل إلغاء للتنوع اللبناني ومميزاته الخاصة، وهذا هو الأهم.
وقبل الحديث عن دور وعن رسالة لنا في العالم، علينا أولاً أن نحصن أوضاعنا الداخلية، حفاظاً على مصالحنا وأنفسنا في جو من المحبة والاطمئنان التام.