كتبت صحيفة “الراي” الكويتية:
رغم تَقدُّم الأمني على السياسي في إجازة العيد في بيروت، فإن العاصمة اللبنانية المهجوسة بالخطر المتمادي لـ«انحلال» المؤسسات كانت عيْنها على المفاوضات «شبه الايجابية» حول الملف النووي الإيراني في جنيف، وقلبها على الخيارات «المحتملة» لكسر مأزق تشكيل الحكومة، الامر الذي يحتاج الى «مقويات» اقليمية تتيح الحد من «الفيتوات» من أمام ولادة حكومة جديدة، دخلت المساعي في شأنها الشهر السابع.
ولأن الامن سياسي في الدرجة الاولى، فمن غير المستبعد ان تؤدي عودة المخاوف من السيارات المفخخة بعد تعطيل واحدة منها قبل انفجارها في الضاحية الجنوبية لبيروت، الى مضاعفة الجهود من اجل قيام حكومة جديدة تكون مهمّتها الحدّ من الاضطراب السياسي والأمني والاقتصادي، وتهيئة المناخ للانتخابات الرئاسية بعد نحو ستة أشهر عبر فتْح قنوات الحوار بين المعسكريْن المتناحريْن (8 و14 آذار) للتفاهم على انتخاب رئيس جديد او التمديد للرئيس الحالي ميشال سليمان.
هذه الآمال اللبنانية بإنفراج نسبي دونها غياب الحاضنة الاقليمية، التي غالباً ما كانت تحتاجها بيروت لصوغ تسويات داخلية، وخصوصاً ان اللحظة الراهنة في المنطقة تتسم بغموض شديد مرده الى ثلاث معطيات أساسية هي:
• دخول المنطقة من البوابة السورية مرحلة اختبار التفاهم الاميركي – الروسي، الذي أعقب تلويح واشنطن بـ«الضربة العسكرية» وانتهى الى المباشرة بتفكيك الترسانة الكيماوية للنظام السوري، وخصوصاً في ظل التقارير عن عمليات عسكرية «مفصلية» وشيكة على الارض، وتحضيرات لم يتضح أفقها لعقد جنيف – 2 في نوفبمر المقبل.
• بدايات الحوار «المشجع» بين المجموعة الدولية (1+5) وايران في شأن ملف طهران النووي، وسط وقائع جديدة يتمثل الأكثر أهمية فيها بالرغبة المتبادلة بين الولايات المتحدة وايران بالانفتاح بعد انتخاب حسن روحاني رئيساً لايران وميل الرئيس الاميركي باراك اوباما الواضح لتفكيك الأزمات وعدم التورط فيها، وهو ما تجلى في المكالمة النادرة بين الرجلين اخيراً.
• «النقزة» الخليجية، لا سيما السعودية من سلوك إدارة أوباما حيال ملفات المنطقة بعد اختصارها «قضية سورية» بالملف الكيماوي، وانفتاحها المفاجئ على ايران بذريعة تلقف الاشارات الايجابية لطهران والايحاءات بالاستعداد لمناقشة اكثر ليونة لملفها النووي، وهو ما اقترن مع إشاعة أجواء تم نفيها عن زيارة حجّ لروحاني للمملكة العربية السعودية لـ«تدشين» حوار في ملفات الاشتباك الاقليمي بين الرياض وطهران.
هذا الواقع الاقليمي الثقيل، الذي يشكل لبنان احد ساحاته البالغة الحساسية، يعزز الاعتقاد بانه سيكون صعباً تحقيق اي اختراق في المأزق الحكومي او سواه من دون تفاهم اقليمي يشكل «كاسحة الغام» لإطلاق دوران العجلة السياسية في بيروت ونزع الأفخاخ الأمنية التي تطل بـ «كوابيسها» بين الحين والآخر، على غرار ما كان حصل في وقت سابق مع التفجيرين في الضاحية الجنوبية والتفجيرين المماثلين في عاصمة الشمال طرابلس.
وتبعاً لذلك، تستعدّ بيروت لانتهاء عطلة الاضحى المبارك غداً وسط ترقُّب لما يمكن ان تحمله على صعيد استكمال محاولات «تدوير زوايا» صيغ حكومية تم وضع عيد الاستقلال في 22 نوفمبر المقبل كـ «مهلة حثّ» لاعتماد إحداها، وسط «دفن» تشكيلة «الثلاث ثمانيات» التي كانت تقوم على حصول كل من فريقيْ 8 و14 آذار والوسطيين (الرئيسان ميشل سليمان وتمام وسلام والنائب وليد جنبلاط) على 8 وزراء اي من دون ثلث معطّل لأي طرف بعدما تولى النائب جنبلاط الإجهاز على هذه الصيغة التي لا تمانعها 14 آذار قبل ان يندفع لتأييد صيغة 9-9-6 التي تمنح فريقيْ الصراع الثلث المعطّل وهي التركيبة التي تريدها «8 آذار» ويتمسك فريق الرابع عشر من آذار برفضها، في حين ترى اوساط مراقبة انها قد تشكل «الوعاء» الذي يمكن ان يحتضن اي تفاهم اقليمي حول الوضع اللبناني، لدى حصوله، باعتبار انها تعكس «توازناً سلبياً» في ميزان الربح والخسارة.
وفي الانتظار، تواصل «نشر غسيل» الملف النفطي بين مكونات الحكومة المستقيلة وتحديداً رئيس البرلمان نبيه بري وزعيم «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون عبر صهره وزير الطاقة جبران باسيل على خلفية تلزيم بلوكات النفط، اذ اعلن مستشار بري وزير الصحة علي حسن خليل «ان ادارة باسيل لملف النفط تُناقش في المؤسسات فثمة انجازات تمت وثمة امور بحاجة لتسجيل ملاحظات عليها»، موضحاً «ان نقطة الخلاف الجوهرية مع باسيل ليست على خلفية سياسية ولا حسابات شخصية لكن مصلحة لبنان تقضي بتلزيم العشر بلوكات سوية دون تجزئتها». واضاف: «موقفنا لا يغيره ولا أي هجوم اعلامي ولا نقبل التخوين من احد ولدينا 6000 شهيد كي نصل الى مرحلة استخراج النفط».
وردا على سؤال عن «حدائق النفط» قرب منزل باسيل، اوضح حسن خليل: «سنتابع بموضوع البر الذي قلت انه قرب منزل باسيل والبترون منطقة عزيزة على لبنان ولا يمكن ان نجد منطقة نبدأ بها الا البترون».
وفي موازاة ذلك، بقيت السيارة المفخخة التي تم تفكيكها في الضاحية الجنوبية لبيروت عشية الاضحى محور اهتمام ومتابعة في ضوء ما عكسته من مخاوف امنية متجددة تنذر بان لبنان في طريق العودة «صندوقة رسائل» دموية في اطار الصراع الكبير في المنطقة والذي تشكل سورية احدى حلقاته الاكثر تفجراً والتي يرتبط لبنان بها مباشرة من خلال تورط «حزب الله» عسكرياً فيها.
وقد هنّأ رئيس الجمهورية ميشال سليمان امس الجيش اللبناني على كشف السيارة المفخخة في منطقة الضاحية الجنوبية، منوها بالجهود التي بذلت، ومعتبرا ان «العيد بالنسبة الى الضباط والعسكريين يكتسب معناه الحقيقي لديهم عندما تكون التضحية في سبيل الوطن وسلمه الاهلي، وليس التضحية المجانية بالمواطنين الابرياء خدمة لمخططات هدفها تخريب حال الاستقرار التي نسعى ونحرص جميعا للحفاظ عليها».
وكان سليمان تابع مع المسؤولين المعنيين تفاصيل موضوع السيارة المفخخة في منطقة المعمورة في الضاحية اضافة الى التطورات التي حصلت في منطقة الطريق الجديدة والاشكال بين احد الناشطين في «سرايا المقاومة» التابعة لـ «حزب الله» ومسلحين وبعض اهالي المنطقة التي تدين بالولاء لـ «تيار المستقبل»، فشدد على «وجوب اتخاذ كل الاجراءات والتدابير الآيلة لضبط الوضع وقمع المخالفين والمرتكبين مهما كان السبب».
وفي عاصمة الشمال طرابلس، استمرّت ارتدادات كشف شعبة المعلومات في قوى الامن الداخلي الشبكة اللبنانية – السورية التي تقف وراء التخطيط وتنفيذ تفجيريْ مسجديْ السلام والتقوى في 23 اغسطس الماضي، وتوقيف 3 من أعضائها (هم من جيل محسن ذات الغالبية العلوية في طرابلس).
وفيما تبقى المخاوف قائمة من امكان ان يفجّر هذا الملف الوضع الذي يقف على «فوهة بركان» دائمة بين جبل محسن وباب التبانة (ذات الغالبية السنية)، عاد هاجس السيارات المفخخة الى طرابلس حيث تم الاشتباه بسيارة تبين انها خالية من اي متفجرات.
وفي هذه الاثناء، لفتت زيارة التضامن التي قام بها وفد من الامانة العامة لقوى «14 اذار» برئاسة الدكتور فارس سعيد لطرابلس حيث التقوا مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار العائد من باريس بعد غياب قسري لاشهر نتيجة تهديدات امنية.
واعلن سعيد أن «مَن قتل الرئيس رفيق الحريري والوزير بيار الجميل وفي اي منطقة من لبنان ينتمي الى طائفة المجرمين وليس الى المسيحية ولا الاسلام».
وقال: «جئنا للتداول مع مفتي المنطقة بعقد خلوة كبيرة على شكل مؤتمر وطني عام في الشمال بمشاركة كل الطوائف وقيادات المجتمع الأهلي للقول للجميع اذا كانت هناك هواجس مسيحية وعلوية وسنية يجب ان نحملها تحت راية العيش المشترك».