برنامج 14 آذار الانتخابي.. حلم لبنان لقيامة لبنان الحلم
إذا كان من أهم أهداف قوى 14 آذار، العبور الى الدولة، أي قيامة لبنان الوطن، ولبنان أولاً، فهذا يتطلب أول ما يتطلب حماية الديموقراطية فيه، ونزع فكرة أن هنالك أعداء مفترضين في الداخل من أذهان اللبنانيين جميعاً، واستبدالها بفكرة أن لا عدو لنا على أرض لبنان. ففي الذكرى الرابعة لانتفاضة الاستقلال وتمهيداً للانتخابات النيابية المقبلة في 7 حزيران والتي نعتبرها حدثاً سياسياً بامتياز ومفصلاً تاريخياً لثورة الأرز التي بزغت في 14 شباط عام 2005. هذه التي اثبتت انها لا زالت على العهد، عهد السير في مسيرة الاستقلال، وصولاً الى إقامة دولة العدالة والحق والمؤسسات، حرصاً على قيمتين كبيرتين: الحرية والهوية عماد قيامة الوطن، وأساس بناء الدولة القادرة والحديثة.
من هنا عمدت قوى 14 آذار الى الإعلان عن برنامجها السياسي ـ الانتخابي المعنون، 7 حزيران موعد العبور الى الدولة، الى وطن فوق الجميع. برنامج يحمل في طياته صيغة لبنان الفريدة والعيش المشترك، والعودة بلبنان الى اصالته ورسالته وقيمه. وهذا يعني ايجاد رؤية جديدة تعيد الى لبنان كيانيته تنقذه من حال الانقسام والتشرذم، ومن هذا السبات العميق، حفاظاً على قراره الوطني المستقل، ودفع وتقوية الديموقراطية فيه، وتحديثه سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وإرساء المواطنية فيه. وبغير ذلك، لا ديمومة للبنان، ولا قابلية للحياة فيه، ربما أن هذه الانتخابات منعطف تاريخي، وبما أنها ستجري في وقت تعصف فيه رياح إقليمية ودولية، وبما انها استفتاء على مصير لبنان ووجوده وبما أن الهدف أولاً وأخيراً إنجاح مشروع الدولة، وبالتالي، تخليص لبنان من التبعية والارتهان، أكد البيان السياسي ـ الانتخابي لقوى 14 آذار ان لا مفر من التعبير عن الرأي رأي كل مواطن لكي يشعر كل انسان بوجوده، وان مسؤولية ما، تقع على عاتقه تجاه وطنه. كما أكد البيان على ان قيامة لبنان لا تكون إلا على قاعدة التوافق، وعلى اتباع سياسة الحياد الايجابي وعدم ابقائه ساحة مفتوحة وغرضاً لأهداف سياسية وعسكرية والدوران في فلك الآخرين، وإخراجه من دوره القومي وإبقائه في دائرة الصراع الإقليمي، وخارج إطار القضايا العربية المصيرية، وفي مقدمها القضية الفلسطينية. ولا شك في أن الولوج لتنفيذ مضامين هذا البرنامج إقامة لبنان الجديد، لبنان الحداثة، هو احترام القرارات الدولية وفي مقدمها القرار (1701) ولاسيما ان هذا القرار وُوفق عليه من قبل اللبنانيين جميعاً بمن فيهم قوى المعارضة، مشدداً على إنهاء الخلافات والتناقضات التي بانت أكثر ما بانت يوم نيل الاستقلال الثاني عام 2005. فلو كتب لهذين الانجازين: إنجاز التحرير وإنجاز الاستقلال الثاني التوحّد، لكنا بغنى عما حدث من فتن ومحن أغرقت لبنان في هذه الاصطفافات المذهبية والطائفية، وفي هذه الثنائيات والتفاهمات الجانبية.
كما ان لبنان لا يمكن إلا ان يكون سيد نفسه، ولا يمكن ان يكون نسخة عن هذا الماضي العميق، ماضي الطوائفية والكهوف. فلبنان يشبه حاله، بحضارته، وتنوعه، وحداثته. وهذا لن يكون إلا بتجديد العقد الاجتماعي، وتطوير صيغته الفريدة اللذين ولدا مع ولادة الدستور ونشوء نظامه. فإذا كان برنامج قوى 14 آذار في "البيال" إطلالة على المستقبل، وحركة استباقية للبنان الحلم، فما عليها إلا ان تقرن الأقوال بالأفعال، خاصة وان مضمون البيان أساس صالح لبناء دولة لبنان الحديث. وعلى هذا، نثمن عالياً ما جاء في مضمون برنامجها من لفتات، لا سيما على المستوى السياسي بحيث أكد برنامجها على وحدة اللبنانيين وتماسكهم وتجاوز مرحلة الحرب الأهلية، وتعميق الوحدة، ونبذ الصراعات وقيام لبنان النموذج، ووحدانية السلطة، والدفاع عن القرار الوطني اللبناني المستقل، بحيث لا يكون هنالك من سلطة إلا سلطة الدولة، ودعوة سوريا الى تطبيع العلاقات وانضمامها الى المدى العربي الرحب، والتمسك باتفاق الطائف، وإكمال مسيرة المصالحة الوطنية والتنمية وتطوير العمل العربي بالعودة الى الالتقاء على قاعدة القضية والمصير، إدراكاً منها بالواقع العربي المرير للتحرر والانعتاق من ثقل ما تنوء أمتنا تحته من ثقل احتلالات وأزمات اقتصادية وتراجعات في كل الميادين.. فطوبى وألف طوبى لهذا البرنامج الذي أكد على السير في العملية الانتخابية بكل ثقة ورباطة جأش للعبور الى الدولة: دولة القانون والمؤسسات، ودولة الوطن فوق الجميع، والمسافة الواحدة بين الجميع، حيث لا فرق بين مواطن ومواطن إلا بالكفاءة والأخلاق. بهذا تكون قوى 14 آذار قد بدأت مشوار الحوار، وبناء الدولة الحديثة لتواصل من ثم مهماتها الأساسية وتستكمل من بعد ما تبقى من برنامجها، بحيث تكون الانتخابات النيابية مقدمة لتنفيذ باقي بنود برنامجها بعد تأمين الأكثرية النيابية تأسيساً لدولة كانت ولا تزال تراود مخيلة اللبنانيين حرصاً على كيانية لبنان ووجوده. هذه الدولة هي الحلم المنتظر بكل أبعادها وآفاقها، فما تقوم به قوى 14 آذار هو امتداد لما قامت به سابقاً. وعلى هذا، فهي تتدرج في تنفيذ برنامجها شيئاً فشيئاً ورويداً رويداً. فقد كان في أولوياتها، ومنذ نشوئها إيجاد رؤى ذات نظرة واحدة، ومن ثم الانطلاق نحو برنامج مستقبلي، فاستطاعت بذلك أن توحد جهودها وتصيغ أفكارها بشكل يتلاءم مع كل وجهات النظر المتنوعة، فصوبت ما يمكن تصويبه، وصححت مسارها، فكان أن وصلت الى قواسم مشتركة، وكان أن قطعت أشواطاً نحو تنفيذ بعض من ثوابتها، آخذة في الاعتبار الاختلاف في الرأي كظاهرة ديموقراطية طبيعية بما لا يشكل عائقاً أمام توحيد الرؤيا حول القضايا المصيرية لا سيما منها توحيد وجهات النظر فيما يخص انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية إنقاذية وتثبيت السلم الأهلي والنهوض بالمؤسسات. أما برنامجها للمرحلة المقبلة، فالانتخابات النيابية هي في أولوياتها. فإذا كان المؤتمر الأول أولوياته فكرية، فإن المؤتمر الثاني من أولوياته في هذه المرحلة بالذات إجراء الانتخابات ولاسيما أن المرحلة مرحلة استثنائية، وأن جماهير 14 آذار تتوقع المزيد من الإنجازات بما في ذلك وحدة الموقف على كل المستويات انتخابياً وسياسياً و… وفي وقت تأمل فيه جماهير 14 آذار تحقيق رغباتها وطموحاتها وطموحات الشعب كل الشعب، وقد ظهر ذلك جلياً في وحدتها بنسبة كبيرة في 14 شباط 2004.
ناهيك، عن أن البيان تخطى الشأن الانتخابي الى ثوابت سياسية ذات أبعاد ودلالات تتعلق بقضايا قومية، ونشر السلام وتحييد لبنان عن الصراع الدائر في المنطقة، وإبعاده عن أن يكون وقوداً لأغراض ومآرب إقليمية وعلى حساب قراره واستقلاله. وعلى ما نعتقد أن هذا البيان السياسي الانتخابي لقوى 14 آذار محطة على طريق قيامة لبنان الجديد. وقد بانت تباشيره من خلال الاتفاق على آلية توحيد اللوائح، وتوحيد الرؤى السياسية تطلعاً نحو المستقبل وصولاً الى قواسم مشتركة على كل الأصعدة والمستويات، وأولها حماية الدستور، والتمسك بالطائف، وتنفيذ القرارات الدولية وحماية لبنان الكيان. فالانتخابات النيابية ليست بثقل فريق من هنا أو هناك، لأننا لسنا في وقت عرض القوى والأوزان، خاصة وأن البلد في حالة عدم توازن سياسي حتى الآن. فلنقبل على الانتخابات، ولنغلّب المنطق الوطني على المنطق الطائفي، ولنختر النخبة لتمثّل الشعب خير تمثيل. فإلى 7 حزيران، الى القول الفصل.