#adsense

من وطن المفرّق إلى وطن الملتقى

حجم الخط

من وطن المفرّق إلى وطن الملتقى

في العقدين الأولين اللذين تبعا الاستقلال، ساد لسنوات تشبيه لبنان بسويسرا الشرق في تلك الانطلاقة الواعدة للكيان المستقل، وذلك من خلال التشابه بين الطبيعتين أول الأمر، بالاضافة الى كون لبنان في تلك السنوات كان واحة سلام واستقرار وسط منطقة مضطربة عاشت طويلاً على الانقلابات العسكرية، فأصبح لبنان مصرف الشرق وجامعته ومستشفاه ومصيفه ومكتبته وصحافته، قبل ان يمضي البعض في المقارنة بعد ذلك فيما يعود الى التكوين البشري المتنوع والصيغة الفيديرالية والحياد، الذي تزايد الداعون اليه أخيراً.

ولكن عندما اهتدى الكثر من اللبنانيين الى تلك الفضائل السويسرية، كان قد حصل العكس تماماً: فالطبيعة تشوهت بشكل شديد الايذاء حين تعامل معها البعض بأنانية وعدائية، فضلاً عن الحرائق التي التهمت القسم الأكبر من الأخضر اللبناني، وعن الجهل المتصاعد لثقافة البيئة واهمالها. أما المعاني السويسرية الأخرى من فيديرالية وحياد، فقد واجهها في لبنان واقع من اقل أوصافه ذلك التعبير الذي يتداوله الجميع من دون ادراك كبير لمعناه وهو الساحة.

ويوم اطلق البابا يوحنا بولس الثاني في أيلول 1989 تلك الصفة التاريخية على لبنان فقال بأنه "رسالة حرية ونموذج في التعددية للشرق كما للغرب" مضيفاً بعد ذلك في ايار 1990 بأنه "أكثر من بلد، انه رسالة"، إنما اراد ان يبعث، ولو من تحت ركام ايام الحروب التي اقلقته وعذبته، ليس لبنان المرتجى فحسب، بل لبنان الذي لا يبرر وجوده إلاّ بصفته تلك.

انها المعاني التي يتم حولها الصراع الحقيقي اليوم: لبنان الرسالة، لبنان الحياد، ام لبنان رأس حربة المواجهة الوحيدة نيابة عن كل العرب، وعن اصحاب القضايا القومية، وساحة لمن يريد ان يتصارع مع غيره وعبر اللبنانيين.
هل وطننا هو ملتقى الحضارات ام مستودع السلاح؟ فإذا كان هنالك من معان للمواجهات السياسية الحاضرة فإنها تدور حول ذلك، ولذا فان الخيارات المستقبلية بالغة الأهمية.

واذا كنا نشهد حالياً اياماً حافلة بالاستحقاقات والمواعيد والاحداث المتلاحقة، فما ذلك سوى تعبير عن تراكم القضايا الداخلية والخارجية المترابطة في ذهن المواطن اللبناني، في تطلعه الى غده. عين على الداخل وعين على الخارج، وذلك بخلاف ما يجري في بلدان اخرى ذات تطور طبيعي.
فنحن الآن ننتقل من مرحلة ثلاثة عقود الى مرحلة غير واضحة المعالم. وهذا هو سرّ الضبابية التي تلف التطورات. لأن الماضي القريب معروف، والحاضر ينطوي على التشنج والانقسام (أكان هذا الانقسام واقعاً فعلياً ام مغذى من الخارج وفقا للسياسة السابقة المتبعة). لأن لبنان المعافى اي الموحد والمستقر لا يقوم إلا بتشجيع المحيط الإقليمي لذلك، والعمل في سبيله. لبنان يستعيد وفاقه وأمانه اذا رفعت الأيدي عنه وليس اذا عبثت فيه واختارت فيه افرقاء ضد آخرين.

فالمشهد العام الماثل أمامنا يعطي انطباعاً بالضبابية او بعدم الارتياح في حياتنا العامة. اقول في حياتنا العامة وليس في السياسة، بكون الحياة اولاً هي اوسع من السياسة، وان ما نشاهده وما نواجهه ليست مسألة سياسية عادية. ولذا إذ ارجو ان يعذرني السادة الكرام، مسؤولو مركز "نينار"، الذين يفضلون ابعاد السياسة عن منبرهم الراقي، لأنه لا يمكن في الوقت الحاضر، أمام هذا الكمّ من التحديات القائمة، ان ننصرف الى شأن آخر. المهم هو طريقة المعالجة وليس الانسياق، بل الانزلاق في النمط السياسي القائم حالياً. إذ ذاك نكون بكل تأكيد، على المستوى الذي يتطلع اليه مسؤولو "نينار".

فإذا كان قدرنا ان نعيش في الأخطار، كما رأى ذلك بعض الآباء المؤسسين، فاننا في الوقت نفسه ابناء التجارب. لأنه مهما كانت طبيعة التحديات التي كتب على لبنان ان يواجهها، إلاّ ان الأوطان التي لا تسيّج تتحول تلقائياً ساحات صراع، وبخاصة اذا حتّم عليها ان تكون نقطة التقاءات. فمنذ عام 1948 كتب ميشال شيحا يقول:
"Nos climats sont ceux des grandes tentations, ou ils en sont très proches. Il y a ici tous les périls de la vie commode et brillante, tous les risques de la place publique et du carrefour".

ان ذلك لا يعني ان نكون باستمرار على المفترقات، لأن المفترق هو مكان الحيرة، لا يعرف الواقف عنده اي طريق يختار. فهل صحيح ان في لبنان مفترقات عدة، وان حيرة الاختيار ما زالت تراود قسماً من ابنائه، بعد ثلاثة وثمانين عاماً على نشوئه ككيان، وستة وستين عاماً على استقلاله. فيسأل بعضنا: أي لبنان نريد؟ فهل هنالك من بلدان اخرى فيها مثل هذه التساؤلات بعد انقضاء كل تلك العقود.

الجواب هو بالنفي طبعاً. لأنه اذا كانت هنالك صعوبة في النشوء فإن الكيان لا يدوم ولا يستمر. انه يتفكك بعد مدة، والأمثلة على ذلك عديدة، والحركات الانفصالية لا تزال قائمة في عدد من البلدان، حتى الاوروبية منها (الباسك في اسبانيا، ايطاليا الشمالية، كورسيكا، بلاد الغال، كيبيك) ومن دون ان ننسى بلجيكا المهددة باستمرار بانحلال العقد بين الفلامنكيين والفالونيين، أي بما معناه زوال بلجيكا من الوجود بعدما نشأت على هذا الأساس عام 1830. فالفلامنكيون يريدون الانفصال، ولم يعد ما يجمعهم مع الآخرين سوى رمزية الملكية ما بين ما يجمع اي ان المصلحة لم تعد قائمة. فالخلاف فيها هو اثني وثقافي، والخلاف في قبرص هو ديني وعنصري. والخلاف في ايرلندا المشالية هو طائفي، بين البروتستانت والكاثوليك، وقد وجد حلا له بعد نزاع دام حوالى قرن من الزمن.

في لبنان لسنا في هذا النوع من الخلافات، ولا نشهد في الوقت نفسه نزعات انفصالية. المشكلة هي ان الجميع ينادون بوجوب ابقاء صيغة العيش الواحد، والكيان الواحد المستقل ولكنهم في الواقع مختلفون على رؤية موحدة للبلد الواحد الذي يعيشون فيه، وهذه هي سمة المرحلة التي نعيشها حالياً.

• ماذا يعني الثلث المعطل؟

ولكن هل صحيح أن اللبنانيين منقسمون في ما بينهم أكثر من الشعوب الأخرى، وان ما يفرقهم بات اكبر مما يجمعهم؟ كلا. ان قسماً كبيراً من المشاكل التي يعانيها اللبنانيون تعرفها الشعوب الأخرى، لأنه ليس المطلوب الاتفاق على كل شيء. فليس هنالك بلد واحد الناس فيه متفقون على كل شيء. انهم يتفقون اولاً على مبدأ العيش الواحد، وعلى الخيارات الاساسية فيما يعود الى اختيار نظام الحكم والحريات والعلاقات الخارجية. ولكن ليست كل السياسات خاضعة للاتفاق الشامل: انها موضع نقاش وآراء مختلفة، يصل معها الحكم الى تحديد السياسة الواجبة. وهذا ما يحصل في الدول الديموقراطية المتقدمة التي تتبلور فيها السياسات المعتمدة استناداً الى مصلحة المجموع التي تعبر عنها أكثرية الشعب.
فهل نحن في لبنان خارج هذا المقياس؟ أي مقياس توجه أكثرية الرأي العام الذي يعتمده المقررون في النتيجة. ولماذا كثُر الحديث في الآونة الأخيرة عن الوفاق، والتفسير المشوه للديموقراطية التوافقية، مع نبذ واضح لفكرة الأكثرية والأقلية؟ وأي مصلحة في ذلك؟ ولمن هي؟

ان الحكمة اللبنانية القديمة قضت بأن يكون الجميع في الداخل، ضمن المؤسسات التي تستوعب الجميع، في بلد ليس فيه احزاب تنتج أكثرية حاكمة. وكان يعبّر عن ذلك بتمثيل الجميع في مجلس النواب، شرط أن تبقى اللعبة البرلمانية قائمة، اي حكومة ومجلس نيابي يتعاونان، ولكن يتحاسبان أيضاً. وقد سار نظام الحكم طويلاً على هذا النحو، في الشكل البرلماني الملبنن، ضمن مقتضيات الوفاق الذي يشكل مع الدستور، العنصر الثاني لنظام لبنان السياسي.

لكن نظام الحكم كانت له ضوابط. فالوفاق والشورى لا يعنيان ضياع قرار الحكم وعدم وضوح المركز الذي يتخذ فيه. انهما يعنيان الأخذ في الاعتبار مكونات المجتمع اللبناني الذي انبثق منه الدستور أولاً عام 1926، ثم الميثاق الوطني عام 1943، وترجمة ذلك بالممارسة التي قضت بعدم استبعاد اي مجموعة او عزلها، أكانت مجموعة طائفية ام سياسية، وذلك قدر المستطاع، لأن هنالك فارقاً بين ان يكون الجميع ممثلين في مجلس النواب او ممثلين في مجلس الوزراء. وان حكومة الثلاثين وزيراً على كل حال، التي تكاد تصبح عرفاً، هي حكومة فضفاضة بالنسبة الى بلد صغير مثل لبنان، اضطروا معها، بعد توزيع الحقائب كلها الى انشاء وزارات دولة ومنصباً لنائب رئيس الحكومة اثار العديد من المشاكل. وذلك حتى تتسع للجميع. ولعل اعتبار التمثيل السياسي قبل غيره وضم ممثلي جميع الاتجاهات – دون استثناء – هو الذي يحجب احياناً اعتبار الأهلية والكفاية، بصرف النظر عن تزاحم الطموحات الخاصة التي تربط عملية التأليف.

على أن ما زاد الأمور تعقيداً مع تاليف الحكومة الحالية القائمة، هو ادخال ذلك العنصر الطارئ عليها والمعروف بالثلث المعطل الذي اقر في مؤتمر الدوحة في أيار الماضي، اثر احداث بيروت والجبل المعروفة.
وهوفي الحقيقة اكثر من الثلث، اي الثلث بزيادة واحد ليسهل اعتبار الحكومة مستقيلة وفقاً للفقرة ب من المادة 69 من الدستور التي تنص على اعتبار الحكومة مستقيلة اذا فقدت أكثر من ثلث اعضائها المحدد في مرسوم تشكيلها، من ضمن الحالات التي تعتبر فيها الحكومة مستقيلة. وهو عنصر طارئ، وحصل لمرة واحدة في تفسير مغاير لروحية النص ويجب الا يتكرر، لأن نتائجه، كما شهدنا حتى الآن، انعكست شللاً على صعيد الحكم وشوهت مفهوم النظام البرلماني الذي يستند في احد اهم عناصره على التضامن الوزاري، بصرف النظر عن التوجهات السياسية لاعضاء الحكومة.

فنحن اليوم امام حكومة يجلس فيها وزراء قرب بعضهم البعض دون ان يؤلفوا فريقاً متضامناً وفقاً للمعيار الأساسي للنظام البرلماني، دون امكانية المحاسبة. حكومة بقي ممثلو المعارضة فيها يتصرفون كمعارضة سابقة، مهددين باستقالتهم (اي استقالة الاحد عشر وزيراً) اذا كان هنالك نية باتخاذ قرار لا يوافقون عليه. فكانت النتيجة عدم اتخاذ اي قرار، والتأخر اسابيع في اقرار الموازنة، والنقاش الذي كنا في غنى عنه في ما يعود الى الاتفاقية بين الحكومة اللبنانية والمحكمة الدولية، وسوى ذلك من مظاهر الشكلل التي تميز الحكومة.

ان المضي في شرح واقعنا السياسي ونعكاساته على صعيد قرار السلطة، او محاولة البحث عن مكانها، لا بد من ان يقودنا الى العوامل الأخرى المترابطة مع الخارج. مع العلم ان اللبناني لا بدّ له من ان يتحرر من انطباع رسخ في ذهنه طويلاً، وهو ان للخارج دوراً مقرراً في شؤونه. فالمرجعية الخارجية ليست قدراً، وان اظهار اللبنانيين بمظهر الانقسام ليس بريئا، لان هناك من سعى الى التفرقة في ما بينهم، حتى يؤدي هو دور المرجعية، وهناك من اختار فريقا منهم للتحالف معه ضد الآخرين، وهذا معروف.

ان تاريخ لبنان القريب والبعيد حافل بالتدخلات الخارجية التي اما انها استغلت التنوع البشري في سبيل التفرقة تأمينا لمصلحة وجودها، واما انها افتعلت التفرقة. فاللبنانيون جميعا يعرفون دور الخارج هذا. مع العلم ان العروبة الحقة هي عروبة الصداقة والتضامن والاخوة لا عروبة العبث والتدخل والانحياز لفريق ضد آخر. فالخصوصية اللبنانية التي أدرك معناها قادة عرب كبار يمكنها ان تكون غنى للعروبة كلها.

فاذا كنا اليوم نبحث عن السلطة، فالاجدر ان نبحث عن الوحدة. لانه اذا تأمنت الوحدة بين اللبنانيين، وسادت المصلحة العليا على مصالح المجموعات والفئات، وأدار الجميع وجوههم الى الداخل بدل الارتباط بمرجعيات، اذذاك لا تعود هناك صعوبة في ادارة شؤون الحكم ما دامت الرؤية واحدة، واليوم لعل الرؤية ليست واحدة وهذا هو عنصر الخلاف الاساسي الذي فرضته انشاء هيئة الحوار الوطني منذ 2006، ويتابعها اليوم بكل اصرار رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان.

•للبنان ثوابت وليس أثقال

ولكن أي حوار كان لا يمكنه ان يخرج، بالمضمون والشكل عن الثوابت التالية، اذا سلم الجميع أولا بوجود الكيان واستمراره:
1 – في لبنان ثوابت نشأت مع طبيعة التكوين السياسي اللبناني، الذي هو انعكاس للتكوين البشري، ومع الفكر السياسي اللبناني الذي أرسى مع آباء الاستقلال وواضعي نظريات الخصوصية اللبنانية وتميزها، بحيث تحترم باستمرار حالة التنوع البشري وعدم طغيان اي مجموعة على اخرى باسم العدد او الحقوق التاريخية او الاستقواء بالخارج او السلاح. فالكل أقليات بالنسبة الى المجموع ضمن نظام ديموقراطي حر فرضه في الاساس مبدأ حرية المعتقد الذي انبثقت منه الحريات العامة الاخرى والحريات الديموقراطية التي تشمل فصل السلطات وتداول السلطة. ولذلك لم يكن من مجال في لبنان لأي مغامرة، ولأي انقلاب عسكري في منطقة ساد فيها طويلا منطق الانقلابات العسكرية، ولا مجال لأي طرح عقائدي يتجاوز الكيان او يتجاوز الوفاق، كأن يقال بأن لبنان لا يكون بدون مقاومة. لأن التوازنات اللبنانية لجمت كل جنوح الى تغيير المعادلة. فالخصوصية هذه هي من الثوابت الاساسية. وانجاح الصيغة اللبنانية هو هدف في حد ذاته يجب العمل له باستمرار. والتسوية بمعناها النبيل هي فن الحكم الأول.

2 – كل الحكومات اللبنانية كانت حتى الآن حكومات ائتلاف، أي انها تشكلت على الدوام من ممثلين للطوائف والقوى السياسية والبرلمانية، مع مراعاة المناطق، وذلك قدر الامكان. نقول قدر الامكان لأنه كانت هناك معارضة ويجب ان تبقى معارضة. اما معارضة مبدئية مثلها لسنوات حزب الكتلة الوطنية بقيادة ريمون اده، واما معارضة مرحلية من قبل الذين امتنعوا عن دخول الحكومة او أنهم استبعدوا عنها. واذا كان صحيحا ان المعارضة لم تكن في الغالب معارضات عقائدية، الا انه كان هنالك دائما من ينبّه، من يحاسب، من يرفع الصوت داخل المجلس النيابي، من يطلب طرح الثقة. أي من يحاول ان يمارس ضمن نظام الحكم الأصول البرلمانية، حتى لا يتحول نظام الحكم اللبناني الى تنازلات ومساومات على حساب الاصول، او حساب النصوص. إذ يجب ألا ننسى ان مقتضيات الوفاق لا تحجب موجبات الخضوع للنظام الدستوري، والا وقعنا في النظام العشائري التسووي.

فالحكومات في لبنان هي حكومات ائتلافية ولكننا لسنا امام سلطة جماعية. فالحكومات الائتلافية – ومبدأها معروف في العديد من الانظمة البرلمانية المتقدمة مثل المانيا وايطاليا – لا تلغي مبدأ الثقة البرلمانية والمحاسبة أمام المجلس. فوجود الحكومات، أكانت ائتلافية أم من لون سياسي واحد، مرهون بالثقة الممنوحة من قبل المجلس.

أما السلطة التنفيذية الجماعية، على سبيل المثال، فهي موجودة في سويسرا، حيث المجلس الاتحادي هو هيئة جماعية مبتكرة، مؤلفة من سبعة اعضاء منتخبين من قبل المجلسين مجتمعين لمدة أربع سنوات، أي لمدة ولاية المجلس معا، وهو يمارس مهماته وصلاحياته جماعيا، فلا يمكنه ان يجتمع إلا في حضور أربعة من أعضائه على الاقل، وهم متساوون فيما بينهم وكل واحد يرأس وزارة. وليس بين هذا المجلس الاتحادي (أي السلطة التنفيذية الجماعية) والبرلمان علاقة تشبه علاقة الحكومة بالمجلس النيابي في الانظمة البرلمانية، حيث وسائل التأثير المتبادلة بينهم وطرح الثقة غير موجودة.

3 – كانت هناك باستمرار اكثرية وأقلية، وفقا للعبة سياسية انتجها النظام البرلماني الملبنن، لان نظامنا البرلماني جعلناه على صورة واقعنا السياسي، وهو ليس بالامر المرفوض، ما دام الاساس مصونا أي الحرية وتداول السلطة اللذان لا ينفيان الاستقرار ولا المحاسبة.

فإلغاء مبدأ الاكثرية والاقلية ينقلنا الى واقع حكم جديد. لأن اشراك الجميع في سلطة القرار، مع الاحتفاظ بحق التعطيل والاستقالة يشل أي قدرة على اتخاذ القرار او حتى على التصويت. وهذا ما يشكل مخالفة واضحة لأحكام الدستور اللبناني الذي ذكر في الفقرة 5 من المادة 65 منه "أن مجلس الوزراء يتخذ قراراته توافقيا، واذا تعذر ذلك فبالتصويت ويتخذ قراراته بأكثرية الحضور"، علما ان النصاب القانوني لانعقاد الجلسة هو الثلثان.

فاذا ضربنا في آن مبدا التوافق ومبدأ التصويت، فأي نظام يبقى لنا؟ أي نظام هو ذاك الذي يتم تهديده بتعطيل القرار فيه واستنادا الى اعتبارات خارجة عن أحكام الدستور، كما شهدنا مع الاعتصام في وسط العاصمة، ومع اقفال مجلس النواب لأكثر من ثمانية عشر شهرا.

نحن اليوم ننهي شهر آذار، الحافل مثله مثل شباط 2005، بمواعيد المآسي والتحولات، ليطل علينا بعد أيام شهر نيسان ويذكرنا بذلك اليوم المشؤوم في 13 منه، ببداية الحروب في لبنان، ليعود ويقودنا الى 26 منه، في الذكرى الرابعة لانسحاب الجيش السوري من لبنان، وذلك قبل ان يحل يوم 7 ايار القادم، ليحرك في الضمائر صور تلك الايام الخطرة وما تلاها من حلول انتهت الى انتخاب رئيس الجمهورية في 25 منه. هذا بصرف النظر عن محطات اخرى عديدة، لعلها تغطي أيام السنة كلها لو حاولنا استرجاعها. فليس ذلك هو الهدف.
فمواعيدنا المستقبلية هي الأهم، لأن اللبنانيين هم على موعد دائم مع الغد. هكذا كان تاريخهم وهكذا سيكون مستقبلهم.

المصدر:
النهار

خبر عاجل