#adsense

الخروق الأمنية المستجدّة .. و”الوجه الآخر” للانتخابات

حجم الخط

الخروق الأمنية المستجدّة .. و"الوجه الآخر" للانتخابات 

لا يمكن النظر الى الخروقات الأمنية للهدوء النسبي في لبنان (أربعة في خلال أسبوع واحد، في صيدا وبيروت وبكفيا وبعلبك) خارج المشهد السياسي العام، وبالذات منه الانتخابات النيابية في 7 حزيران المقبل، والحملة التي تقوم بها ـ أو ستقوم بها في وقت لاحق ـ القوى السياسية المتنافسة استعدادا لهذه الانتخابات.

وأيا كان الفاعل، أو صاحب المصلحة من ورائه، فلا شك في أن هدف التصدعات الأمنية هذه، اشاعة مناخ غير طبيعي على مساحة لبنان كله، وبين الناخبين، عشية الانتخابات وفي أثنائها، وربما ما بعدها أيضا. ولن يكون "غريبا"، في بلد الغرائب السياسية، أن تسمع في الغد القريب كلاما عن "شوائب" تحيط بالعملية الانتخابية حتى قبل اجرائها !.

واذا كان اللبنانيون لم ينسوا بعد ما خبروه حتى الثمالة من اغتيالات ومحاولات وتفجيرات في الأعوام 2005 و2006 و2007، بغض النظر عمّا رافقها من انهيارات واصطفافات واتهامات سياسية، فليس من المبالغة ولا التهويل في شيء، توقع محاولات أخرى لانكشاف جديد في سقف لبنان الأمني … الذي لم يقفل عمليا بعد، برغم كل ما قيل عن "التهدئة" و "الحوار" و "المصالحات" !.

مع ذلك فـ "ديموقراطية" لبنان على المحك الآن، وتحديدا بعد شهرين وسبعة أيام من هذا التاريخ، ما دام "البعض" ـ سواء من الداخل أو من الخارج ـ يطرح العبوات والتفجيرات والقنابل والرصاص بديلا للديموقراطية البرلمانية كنظام حكم، ولأوراق التصويت في صناديق الاقتراع كأسلوب حياة وممارسة لهذا النظام.

هي على المحك مجددا، لأن خمسة عشر عاما من الحروب التي شهدت كل صنوف التقاتل وأنواع الأسلحة، وخمسة عشر عاما أخرى من المحاولات الحثيثة وبمختلف الوسائل لتجاوز هذه "الديموقراطية" (على علاتها ؟!)، لم تؤد في النهاية سوى للعودة الى النقطة ـ الأساس التي قام عليها هذا البلد منذ نشوئه: الاحتكام الى صناديق الاقتراع، دربا وحيدة لتأكيد العيش المشترك بين مكوناته الطائفية من جهة، وطريقا لصياغة سلطة الحكم باسم هذه المكوّنات وفي ما بينها من جهة ثانية.

أكثر من ذلك، فعلى امتداد أعوام مديدة ـ بين 1975 و 1990 ـ لم يكن ممكنا فيها استفتاء اللبنانيين حول مواقفهم نتيجة الانقسام السياسي والتوزع الجغرافي وخطوط التماس، حافظت البقية الباقية من النواب على "الديموقراطية البرلمانية" هذه، حتى في الشكل، من خلال تمديد ولاية المجلس النيابي بعد انتهاء ولايته كل أربع سنوات بما يتفق مع الدستور. بل انه، حتى عندما تم الانقلاب على الدستور من "الحكومة العسكرية المؤقتة" برئاسة العماد ميشال عون، والتي كانت مهمتها محصورة بتسهيل اجراء انتخابات رئاسية، لم يمنع ذلك بقية النواب الأحياء (كانوا نحو نصف عدد أعضاء البرلمان فقط) من الانتقال الى الطائف في المملكة العربية السعودية ـ رغم تهديدات عون لهم واصداره قرارا بحل المجلس ـ لوضع الاتفاق الذي أنهى الحرب وتحول فيما بعد الى دستور للبلاد.

لكن، وعلى سبيل الافتراض، هل يمكن النظر الى التصدعات الأمنية هذه بعيدا عن الانتخابات والحملة المفترضة من المرشحين والقوى السياسية استعدادا لها ؟!.
هل يمكن الاكتفاء بالقول، كما كان يقال في الغالب، إن ما جرى ـ وما قد يجري ؟! ـ هو حوادث فردية، أو ربما تصفية حسابات شخصية، أو حتى من فعل "عناصر غير منضبطة"، لكي يطمئنّ اللبنانيونّ ليس الى غدهم، كمواطنين يمارسون حقوقهم الانتخابية فقط، وانما الى يومهم وسلامة عيالهم كذلك؟.

"يتمنى" المرء، على بشاعة أن تنحدر التمنيات الى هذا الحد، أن يكون أمر الخروقات الأمنية على هذا الحال!!.
مع ذلك، هل يهدف ما حدث في الأسبوع الماضي الى منع اجراء الانتخابات في موعدها، أم أنه مجرد محاولة لطبعها بطابعه الارهابي، وتاليا منع بعض الناخبين ـ خوفا أو قَرَفاً ـ من التوجه الى أقلام الاقتراع لابداء آرائهم في أزمة بلادهم السياسية والاقتصادية ـ الاجتماعية الضاغطة وتاليا في من يملك الخطة العلمية للخروج منها ؟!.

أيا كان الهدف، فالنتيجة في النهاية، خصوصا اذا لم يقف اللبنانيون في وجه ما يتعرّضون له، ويتعرّض له بلدهم، واحدة: ضرب لبنان في أساس وجوده .. هذا الوجود القائم على التنوّع، والاقتراع الحرّ تجسيدا لهذا التنوع ومن أجل تقرير المستقبل.
ذلك أنّ، ما ومن يمنع "البعض" من انتخاب من يريد تمثيله في السلطة التشريعية، وتاليا في السلطة التنفيذية، لا يختلف في شيء عمّا، ومن، يمنع "الكل" من ممارسة هذا الحق. وهما معا لا يريدان، حتى وان تحدثا ليل نهار عن "خصوصية لبنان" و "الديموقراطية البرلمانية" و "الديموقراطية التوافقية"، الاّ ضرب الصيغة اللبنانية في أساس بنيانها .. وحتى ازالتها من الوجود.

وفي المرحلة الراهنة، حيث يرى الجميع في "اتفاق الدوحة" كسرا لحالة الجمود التي سبقته، عبر انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل "حكومة وحدة وطنية" واستيلاد قانون للانتخاب بعد دفنه منذ عقود، فمثل هذا المناخ لا يصبّ الا في خانة العاملين على ضرب كيان لبنان وصيغة العيش الواحد بين أبنائه. لماذا ؟!، لأن منع اجراء الانتخابات في موعدها، أو اجراءها في ظل "شوائب" أمنية أو سياسية مفتعلة، انما يعيدان البلد الى ما قبل "اتفاق الدوحة" .. وحتى الى ما قبل، قبل الدوحة، من "الحروب" اللبنانية وغير اللبنانية المتعددة والمتنقلة.

يكاد اللبنانيون، في ضوء حملة بعض الحكومة "الاتحادية" على بعضها الآخر، وشتائم بعض أطراف "التهدئة" و "المصالحات" لبعضهم، يجدون اجابات لأسئلتهم، ليس حول الخروقات الأمنية الأخيرة فقط، وانما حول مسائل أخرى عديدة لا تقل خطورة عنها … من تجميد اقرار الموازنة، الى اجهاض التعيينات والتشكيلات الادارية، الى عرقلة "مذكرة التفاهم" مع النيابة العامة للمحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، الى أخيرا، اثارة كمٍّ من الغبار حول "بيان شكر" موجه الى الدول العربية التي ساهمت بتبرعاتها المالية في اغاثة ضحايا العدوان الاسرائيلي على لبنان العام 2006 .

وفي هذه الاجابات، أن لا شيء بعد "اتفاق الدوحة" تغير عما كان قبله. تماما كما يقول قادة في الأقلية، من أنه لن يتغير شيء بعد الانتخابات المقبلة، وأيا تكن نتائجها، عما كان قبلها.
… واذا، فالخروقات الأمنية هي مجرد كلمات جديدة في العبارة اياها: لا شيء تغيّر بعد الدوحة، أو سيتغير بعد الانتخابات، عمّا كان الوضع في لبنان قبل سنوات !.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل