#adsense

بطليموس “الممانعة”

حجم الخط

 متابعة بسيطة لنشوة فريق “الممانعة” في الأيّام الأخيرة ، تُبيّن مدى غرقه في فنجان السياسة الدوليّة والإقليميّة ، وتركيز أطرافه على الحوار الأميركي – الإيراني كإثبات لغلبتهم الدبلوماسيّة بعد نجاحهم العسكري ، أو نجاتهم العسكريّة .

نراهم ونسمعهم يتحدّثون عن “انتصار” حقّقوه ، على طريقة بيع السمك في البحر وجلد الدبّ قبل اصطياده، ويعمّرون قصوراً على كلمة من كيري ، أو رنّة هاتف من أوباما ، أو تسريب من جنيف ، أو “ظهور” من بشّار الأسد يطالب فيه بمنحه جائزة نوبل للسلام !

ثمّ يتوعّدون بمعركة حاسمة في مرتفعات القلمون لربط دمشق بلبنان عبر السلسلة الشرقيّة وجرود عرسال ،

 ويوعزون لفصيل من فصائلهم بتهديد طرابلس ونشر صور الأسد فوق سطوحها ، بعدما استباحوا دمها بتفجير مساجدها وشوارعها ،

 ويسعون إلى فرض مشيئتهم في “حكومة الأحجام” أو حكومة تُشبه سابقتها عبر استغلال استدارة جنبلاط .

هذه الترجمة الفوريّة لمناخ الإنفتاح السياسي بين الغرب وإيران وحيويّة الدبلوماسيّة الروسيّة ، تبدو شديدة التسرّع ، بل هي أقرب إلى الترويج لسلعة وهميّة ، أو على الأقلّ سلعة قيد الإختبار والتجريب .

لم يقرأ الذين يسكرون من رؤية زجاجات الخمر عن بُعْد ، الوجوه الخلفيّة للوقائع وما تُخفيه كلّ تلك المؤشّرات من أثمان وتغييرات .

فابتسامة واشنطن لإيران قد تعني غير الإبتسام ، وتفكيك السلاح الكيميائي للنظام ليس أمراً عابراً أو دليل قوّته ، والدبلوماسيّة الروسيّة الثقيلة لا تستطيع تغيير مجرى التاريخ ، وتمنّي الأسد حصوله على نوبل السلام مجرّد رقص قاتل على قبور ضحاياه .

وليس شنّ الحرب النفسيّة على المعارضة السوريّة بحسم حرب ريف دمشق والقلمون ، سوى محاولة تغطية للإصابات البالغة التي مُني بها النظام ، ميدانيّاً في الجنوب خصوصاً منطقة درعا ، وفي الشرق الشمالي ، خصوصاً منطقة دير الزور .

وما سقوط أحد أبرز رموزه الدمويّة ، اللواء جامع ، سوى دليل إنهاك لنواته الصلبة ، إضافة إلى ما يعنيه هذا السقوط للبنان واللبنانيّين في معاناتهم من تنكيل عهد “البوريفاج” واغتيال قيادات .

وسواء كانت المعارضة هي التي نالت منه ، أو النظام نفسه يصفّي بعض رموزه لدفن أسرار فظاعاته وعلى رأسها اغتيال رفيق الحريري ، فإنّ هذا التطوّر النوعي يؤكّد مدى التهرّؤ الذي ضرب في مفاصله . ولم يعُدْ خافياً أنّ قدراته العسكريّة الذاتيّة ليست مؤهّلة لحسم معركة بحجم القلمون والريف ، بينما تحسب إيران حساباتها الجديدة قبل زجّ حرسها و”حزب الله” ومليشياتها العراقيّة في أتون معركة باهظة الكلفة وغير مضمونة النتائج .

أمّا على المستوى اللبناني الداخلي ، ف”حزب الله” ليس في وضع مريح لفرض حكومة كما يشتهي ، برغم انتعاش آماله بعد موقف جنبلاط .

لا مجال لإعادة إنتاج تجربة “القمصان السود” ولعبة المفاضلة بين كرامي وميقاتي وسواهما . وليس هناك من يتحمّس لتجيير أصوات عدد من النوّاب واللعب بالأكثريّة مرةً أخرى ، حتّى جنبلاط نفسه يحسب ألف حساب هذه المرّة ، وباتت تقديراته يوميّة وليست استراتيجيّة ، لاعتقاده بترجرج حركة الأمم وعدم ثباتها .

ومن جهته ، لا يبدو الرئيس سليمان في وارد تكرار خطأ الحكومة الميقاتيّة ، أو التسليم بصيغة 9-9-6 إذا تمسّك فريق 14 آذار برفضها . وموقف الرئيس سلام لا يناقض نفسه في التخلّي عن المعايير التي وضعها لتشكيل حكومته ، وهي معايير لا تلتقي بتاتاً مع صيغة “القمصان” ولا صيغة الأحجام .

إذاً ، ليست صورة “الممانعين” زهريّة كما يرسمون ، لا في لبنان ولا في سوريّا ولا في إيران . هي الآن رماديّة ، مثل صورة الآخرين . وفي حالة اللالون واللاوزن لا يُمكن أن يعلن أيّ فريق انتصاره . فالإنتصار الأخير هو لقوّة الحقّ وليس لحقّ القوّة .

ومن الحكمة أن يتوقّف هذا الفريق عن التوهّم بأنّه مركز الكون ، تزحف أميركا ومعها الغرب إلى بابه ، وهو يوزّع الغنائم الوهميّة على أيتامه ، ويَعِد مساكينه ب”انتصار إلهي” جديد ل”جبهة الممانعة” الوحيدة الحيّة الباقية والفرقة الناجية .

ظلّ العالم قروناً يصدّق نظريّة بطليموس بأنّ الأرض مركز الكون ، هي الثابتة وكلّ شيء يدور في فضائها، حتّى الشمس .

 لن ننتظر قروناً كي نشهد سقوط نظريّة بطليموس الضاحية ودمشق وطهران .

وحْدَهم أصحاب القرون ينتظرون !

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل