موسم..
مؤلم موسم الإنتخابات يا إخوان.. عدا فضائله الرياضية والعقلية التي تحدثنا عنها بالأمس، وعدا صخبه في الجمهورية اللبنانية السعيدة، ودفعه براعم السياسيين نحو التفتح أو التقيّح (لا فرق) وإطلاقه ملكات "الأنا" التي تبقى في الأحوال العادية أسيرة الصدور ومموهة بألف ستار وغشاء وبرداية وشعار.
عزيزي فيصل كتب منذ بضعة أيام عن مسّ من الجنون يصيب كثيرين في هذا الموسم، لكن الحقيقة الناصعة البياض تفيد أن ذلك المس يضرب في لبنان منذ فترة ليست بسيطة، ويُغلّف بالتورية والتمويه والتوصيف المتعدد الأشكال والألقاب والرتب والأسماء والحركات والأحزاب والتيارات التغييرية والإصلاحية الفذّة.
بعض ظواهر وأعراض تلك الحالة، تمثلت في الفترة السابقة إياها، ببعض الأبواق الخفيفة الوزن والثقيلة اللسان والدم والوطأة والطلّة، وبنظريات أصحابها التدجيلية التي كانت تركب كيفما كان تبعاً للخطة السياسية القائمة، والأمر الآتي عبر الهاتف. وبعض آخر من الظواهر نفسها الدالة الى التوصيف الممسوس نفسه، كانت أرقى من ذلك الدرك بضع درجات. فكانت عصبوية أصحابها متراساً مثالياً لحمايتها من دفق التأكّل والانكشاف التام، خصوصاً أمام من كان ولا يزال يفترض، ان السُعار أداء فائق الاحترام والكياسة في مجتمع سياسي منخور حتى عظامه بسوسة الهيجان الطائفي والأنانية القصيرة العمر والنظر…
أي توصيف ينأى عن زاوية الوضوح، وحدّة النصل وشفرة الحلاقة، لتلك الحالات العصية على العقل ومفرداته، هو فعل خيانة تامة. وتعبير ملتبس وجبان عن واقع واضح يحتاج الى شجاعة كبيرة وصافية لمقاربته.
وهكذا فعلاً وحقاً، يصبح تناول من تطاول على شهيد مثل جبران تويني وغيره من الذين مضوا كي نبقى، وماتوا كي نعيش، وضحّوا كي ننعم، وقدموا دماءهم لتصان دماء اللبنانيين وأرواحهم، وبذروا من زرقهم كي تُحفظ أرزاق، وتُعتق أعناق من قيود العوز والفقر والفاقة، وتُصان كرامات وجباه من ذل الحاجة… يصبح تناول الأقزام الذين يتطاولون على هؤلاء العمالقة، واجب وطني محتوم لا يُجادل، وفعل إرادة وتحدّ لا يُجانب أو يجافي النبل والشرف والأخلاق حتى لو كان "الموضوع" المقصود على هذا القدر من الوضاعة والرعونة و"قلّة الشئمة"!
مؤلم هذا الموسم وفجّ. وألمه مضاعف بسبب الاضطرار الى ردّ الإسفاف الى موضعه والسفاهة الى منبتها، والاقتراب من الجيف لإزاحتها ورائحتها من طريق الربيع الآتي… ومؤلم أكثر لأن أزرار النيابة لا يمكن أن تُعلّق على كل البدلات التي تستحقها… ولأن كلمة "موسم" في ذاتها تحمل معنيي البداية والنهاية، وتفتح الدنيا على أسئلة كبيرة وكبيرة جداً، من دون الجرأة على طرحها أولاً، ومن دون توقع أي أجوبة عنها، لو طُرحت، ثانياً.
يبقى أن تتمة القصيدة في هذا المقام تفيد، أن بعض الألم ضروري وحتمي في الطريق نحو الشفاء.. والله أعلم.