انتخابات حزيران: الأكثر هدوءاً والأكثر تمثيلاً لحكومة الوحدة الوطنيّة
نقولا ناصيف
أطلق الإعلان التدريجي للوائح الانتخابية لدى الموالين والمعارضين المنافسة على الأكثرية النيابية الجديدة، وتحديد مسار الصراع السياسي في السنوات الأربع المقبلة لجبه الاستحقاقات المحلية والإقليمية، لكنه أطلق أيضاً قطار تفاهمات بعيدة عن الأضواء قبل 7 حزيران كي يكون ذلك اليوم، أياً يكن الرابح، هو أحد أكثر الأيام اللبنانية استقراراً وهدوءاً وانتظاماً، على وفرة الإشارات التي تتحدث عن نقيضها. وبعيداً من كل الحملات الانتخابية والاتهامات والغلو والاستفزازات المتبادلة ـــــ وهي عدّة شغل كل انتخابات نيابية لبنانية في كل زمان ومكان ـــــ فإن التوازن السياسي المرجح انبثاقه من انتخابات حزيران سيكون الأكثر مدعاة للتعجب والالتباس والغموض، وربما التواطؤ، في ضوء سجالات الأشهر المنصرمة. ذلك ما يعكسه على الأقل ما يحيط بالجهود التي يبذلها أقطاب سياسيون في المعارضة وآخرون على خط الاتصالات معها حتى عشية 7 حزيران تبعاً لمعطيات، منها:
1 ـــــ ان عدم حصول أي من قوى 14 آذار و8 آذار على نصاب الأكثرية المطلقة في البرلمان المنتخب بات يشكّل معادلة مثلى لضمان الاستقرار الداخلي، وحمل الطرفين على الانخراط في حكومة وحدة وطنية بعد الانتخابات. إلا أن هذا الهدف لا يحجب حتماً مساعي أفرقاء في الموالاة والمعارضة لتصعيد المنافسة من أجل الحصول على أكبر عدد من المقاعد كي يربح تحالفهم الغالبية الجديدة، ولا تدفّق الترشيحات من خارج هذين الطرفين في دوائرهما وإن بلا آمال بالفوز. وقد لا تكون هذه وجهة نظر أربعة أقطاب رئيسيين من المعارضة والموالاة، وهم الذين يقودون هاتين القوتين، والمعنيون بتجنيب الانتخابات أي خضة ذات منحى مذهبي: الرئيس نبيه برّي وحزب الله، والنائبان وليد جنبلاط وسعد الحريري. ومع أن أحاديث هؤلاء لم تعد في الأيام الأخيرة تتطرق كثيراً إلى كون انتخابات حزيران معركة خيارات مصيرية، بل راح كلّ منهم يبثّ في أوساطه التهدئة والحوار على طريقته، فقد أجمعوا ـــــ كلّ على طريقته أيضاً ـــــ على إخراج مبرّرات التشنّج والصدام والانقسام من خطبهم، كالمحكمة الخاصة بلبنان وسلاح المقاومة والتدخّل السوري، وبدأوا يلتفتون إلى تأليف لوائح تلبنن الانتخابات وتعيدها إلى حجمها المحلّي الضيّق بعيداً من النزاعات الإقليمية.
وهذا في ذاته مؤشر دقيق إلى عدم رغبة هؤلاء ـــــ ولا قدرتهم خصوصاً ـــــ على قيادة البلاد نحو ما يعيد الوضع الداخلي إلى الوراء.
2 ـــــ لم تعد المعركة الفعلية في واقع الأمر هي الحصول على الأكثرية النيابية في البرلمان المقبل، بل على مَن يملك النصاب الذي يمكّنه من تسمية الرئيس المقبل للحكومة على نحو يستدرج الفريق الآخر إلى التوافق معه حول هويته، وكذلك حول هوية الحكومة الجديدة برمتها، بمعزل عن الأسماء والحصص التي تتقرّر في ضوء المقاعد التي يخرج بها الفريقان من انتخابات حزيران. وقد يكون المقصود بذلك جكومة وحدة وطنية منوط بها في وقت واحد أكثر من استحقاق داخلي سياسي واقتصادي وأمني، وأكثر من استحقاق خارجي يتصل خصوصاً بالعلاقات الجديدة بين المجتمع الدولي بدءاً من واشنطن بسوريا وإيران. ولن يكون لبنان في منأى عن تأثيراتها الإيجابية والسلبية. وهكذا تبدو قوى 14 آذار وقوى 8 آذار في الظاهر متنافسة على أكثرية نيابية وهمية، ولا يسعها أمام لوائحها وناخبيها إلا أن تفعل ذلك، لكنها في الواقع تتنافس على الحؤول دون حصول الفريق الآخر على الأكثرية المطلقة في البرلمان، إذ لم تعنِ تجربة سنوات 2005 ـــــ 2008، ولا سنتي 2008 و2009، إلى الآن، إلا إخفاق تجربة أكثرية تحكم كي تستأثر بالخيارات والقرارات، وأقلية تمسك بزمام التعطيل لفرض مشيئتها. وإذا بكلّ من الفريقين يكتشف عجزه عن الحكم منفرداً، وعن استمراره معرقلاً للحكم.
3 ـــــ لأن نتائج انتخابات 2009 ستفضي حكماً إلى تقاسم السلطة، وهو الخيار الحتمي للصراع السياسي القائم في لبنان حالياً، سواء لمَن يقرّ به ولمَن يكابر ويتعمّد تجاهله، ترجّح أوساط واسعة الاطلاع في المعارضة الوصول إلى تفاهم ضمني مع الموالاة ـــــ والأصحّ مع زعيميها الدرزي والسنّي ـــــ من دون الجلوس بالضرورة إلى طاولة واحدة، ولا تبادل الأوراق من تحتها.
ذلك أن كلاً منهما سيسعى إلى حصد العدد الأكبر من المقاعد عبر مواجهة اللوائح بعضها ببعض، من غير دفع الانتخابات إلى مشكلة مذهبية، ولا استخدام أصوات مذهب ضد مذهب آخر، وتحديداً على الصعيد الشيعي ـــــ السنّي، ولا خصوصاً جعل انتخابات 2009 امتحاناً لعضلات الفريق الشيعي لإضعاف الفريق السنّي والدرزي، أو العكس. وهو ما تتوجّه المعارضة إليه، وتحديداً حزب الله، سعياً إلى أهداف ثلاثة متلازمة:
ـــــ منع الموالاة من الحصول على الأكثرية النيابية فتفوز المعارضة بـ63 مقعداً والفريق الآخر بـ60 مقعداً.
ـــــ وأن تكون للمعارضة الكلمة المرجّحة في تسمية الرئيس المكلف للحكومة الجديدة، لأن أحداً لا يمسك عندئذ بالأكثرية المطلقة.
ـــــ وأن تكبر الكتلة النيابية للرئيس ميشال عون عن عددها الحالي، كي تصبح الكتلة المذهبية الأكبر أو تكاد. الأمر الذي يوجب حينذاك أن يملأ المقاعد الشاغرة الأخرى النواب المستقلون، المرجّح أن يبلغ عددهم خمسة يمثلون تكتل الرئيس نجيب ميقاتي (ومعه النواب السابقون جان عبيد وطلال المرعبي وأحمد حبوس أو علوي آخر) والنائب ميشال المر، وفي أحسن الأحوال نائب كسرواني مستقل إذا نجح في اختراق لائحة عون.