تتوالى الازمات على البلد الصغير، وتكبر مهماته التي تتخطى قدراته. رئيسه يجوب العالم لاقناع اقرانه بالمساهمة في تحمل الاعباء، وتثبيت سياسة النأي بالنفس لانقاذ بلده، وابناؤه يتقاتلون ويقتلون في بلدهم وعلى ارض الغير، من اجل الغير. الى اين؟ ومتى تؤلف حكومة تسيير امور الناس عوض تصريف اعمال الوزراء؟ وهذه مواضيع وغيرها حملناها الى وزير البيئة ناظم الخوري الذي جعل من شعار “البيئة السياسية في خدمة السياسة البيئية” هدفا وانجازات.
الرئيس السوري نفى ان يكون لبنان اعتمد سياسة النأي بالنفس، وطلب من الرئيس سليمان تقديم ادلة على تورط سوريا في قضية ميشال سماحة. ما تعليقكم؟
– تعتبر سياسة النأي بالنفس من صلب “اعلان بعبدا” الذي وافق عليه المشاركون بالاجماع، ولا يزال ركيزة أساسية، ويعتبر وثيقة معترفاً بها اقليميا على صعيد جامعة الدول العربية، ودوليا على صعيد الامم المتحدة. ومن أحد بنود “اعلان بعبدا” منع السلاح من دخول سوريا، وكما دخلت عناصر من الشمال، كذلك دخل “حزب الله” من حدود اخرى، ويجب النظر الى الامور من منظارين وليس من منظار واحد. ولا تزال سياسة النأي بالنفس حكيمة ولمصلحة لبنان، وأثنت كل دول العالم عليها. لكن يا للاسف، لم تتمكن الحكومة من تطبيقها بالشكل المطلوب. رئيس الجمهورية دعا “حزب الله” الى العودة الى الداخل لنتمكن جميعا من الحوار، ولم يجد اي حرج في قول ذلك مباشرة وعلانية، وللحزب بالذات، وبكل ايجابية.
اما بالنسبة الى الاثباتات، فنحن بلد ديموقراطي يحترم فصل السلطات، ويعود الامر الى السلطة القضائية في بت الموضوع. ووجود ميشال سماحة في السجن طوال هذه الفترة يعني ان هناك اثباتات لدى السلطات القضائية بما يكفي لإبقائه موقوفاً، وهي الوحيدة التي تقرر اخلاء سبيله او اتهامه. ليس من مهمات رئيس الجمهورية تقديم اثباتات، واذا ارادت سوريا معرفتها يمكن السلطات القضائية السورية، من مبدأ التنسيق بين الطرفين ان تتصل بالسلطات القضائية اللبنانية.
ماذا ينتظر رئيس الجمهورية لتتألف الحكومة؟
– انتظر كفاية. واشير الى ان ليس الرئيس من يشكلها، بل الرئيس المكلف بالتشاور مع رئيس الجمهورية.
يقال ان الرئيس سلام طرح عليه تشكيلات عدة، لكنه طلب منه التريث. هل يأمل الرئيس سليمان فعلا حصول توافق على حكومة جامعة؟
– هناك تشاور دائم بينهما، ويعرضان الطروح الممكنة. هدف رئيس الجمهورية الاول ان تكون هناك حكومة جامعة، وهو يدعم الرئيس المكلف ويساعده للوصول الى تشكيلة كهذه. الرئيس لا يمكنه الانتظار طوال الوقت، والرئيس المكلف كسر الرقم القياسي في مهلة التكليف، والمؤسف ان نصف عهد الرئيس سليمان ذهب بين تكليف رؤساء وتشكيل حكومات وشلل حكومي، وهذا لا يجوز. ومن ناحية ثانية، هناك استحقاق داهم امام لبنان ورئيس الجمهورية هو الانتخابات الرئاسية، ولا يمكن ابقاء حكومة تصريف اعمال ومجلس نيابي مشلول ورئاسة الجمهورية فارغة، والبلد ليس مرتاحا اساسا، ويضاف الى مشاكله مليون ونصف مليون نازح مع حاجاتهم اليومية والمعيشية والتزامات الدولة حيالهم الى الازمات اليومية التي نواجهها. لا يمكن حكومة تصريف اعمال ان تواجه هذا الوضع، من هنا ضرورة تشكيل حكومة بالامس قبل اليوم.
ماذا ينتظران اذاً، ما دامت الحكومة ستتشكل عاجلا ام آجلا بقرار منهما؟
– الحكومة تتشكل بأمل ان تنال الثقة. اليوم ثمة انقسام في البلد، والحكومات لم تعد تتبع الطريقة الديموقراطية في التشكيل، بل صارت ضمن محاصصات طائفية ومذهبية ومصالح سياسية، من هنا الصعوبة في تشكيلها. كما ان عامل الثقة مفقود بين القيادات السياسية، وهنا بيت الخلل، وهذا يؤدي الى تشكيل الحكومة بطريقة الصفقات.
هل تأملون ترميم الثقة بين الافرقاء قريبا؟
– لا ارى الثقة إلاّ بالحوار بين القيادات السياسية.
هل سيدعو الرئيس الى الحوار؟
هو داع بشكل دائم، المهم تجاوب الافرقاء، ويعتبر الحوار قائما دائما، وصارت له مرجعية ثابتة هي “اعلان بعبدا”.
هل يمكن ان يصلا الى حكومة حيادية؟
– في رأيي الشخصي الذي لا يلزم رئيس الجمهورية، لا يزال هناك بعض المحاذير. اليوم نحن في ازمة حكومة تصريف اعمال، وبتشكيل حكومة حيادية سنقع في ازمات، لانها لن تنال الثقة، وستحصل اشكالات. ومنذ اليوم تصدر اجتهادات ان حكومة لم تنل الثقة لا يمكنها ان تتسلم مهماتها، وهناك احتمال الا تتم الدعوة الى جلسة الثقة. هذه هي الصورة السوداء التي يعيشها البلد.
مواصفات غير متوافرة
اذاً انت متخوف من الفراغ الرئاسي؟
– بالطبع، ولسبب بسيط، انه ليس سهلا الاتفاق على رئيس جمهورية، في حين لم يستطيعوا الاتفاق على حكومة مدة 7 اشهر. اتمنى ان يحصل اتفاق على رئيس للجمهورية.
هل يمكن الرئيس ان يقبل التمديد ضمن شروط؟
– لست مع التمديد بالمبدأ، وموقف الرئيس واضح باعتباره التمديد غير دستوري. ولكن، واقول هذا من ناحية شخصية ايضا، اذا كان التمديد سيحصل، ولا اعرف بأي شكل، واذا كان هناك من حاجة، فلن يتهرب الرئيس من مسؤولياته. لكن في لبنان ثمة مواصفات لرئيس الجمهورية، لا تتوافر لدى كثيرين، ليحصل اجماع حول احدهم. لننس شخص ميشال سليمان. كثيرون يريدون ابطالا، لكن في لبنان اليوم لا دور للابطال، بل تتطلب المرحلة اشخاصا موحدين وجامعين وحكماء وعقلاء في السياسة. لدينا ابطال كثيرون، لكنهم لم يصنعوا لنا بلدا. الشرق الاوسط موضوع تحت المجهر، وهناك اعادة نظر في شأنه، شعوبه تحركت وانظمته انقلبت، المنطقة تمر بمخاض عسير، والمهم تحييد لبنان عن الصراع المذهبي، ووجود ادارة حكيمة فيه. الشخص الذي يملك هذه المواصفات، هو الذي يجب ان يتفقوا عليه، كائنا من كان. لذلك اذا ارادوا الرئيس سليمان ولم يجدوا بديلا منه، فيجب، ان تكون لديه شروط، لانه يكفيه ما عاناه في السنوات السابقة. اذا ارادوه ان يكون رئيس تصريف اعمال وادارة ازمة اكبر فلن يقبل، لانه جدي ويريد تحقيق اشياء كثيرة. فقد وضع اسسا مهمة لرئيس الجمهورية المقبل، أعاد دور رئيس الجمهورية على الخريطة السياسية، عزز الحضور اللبناني في الخارج، طرح العديد من مشاريع القوانين مثل اللامركزية الادارية وقانون النسبية واقتراع المغتربين وغيرها، ولم ينفّذ منها شيء.
“حزب الله” والسعودية
محمد رعد يزور الرئيس دورياً فلم هذا التباين في العلاقة مع “حزب الله”؟
– العلاقة الاستراتيجية بين الرئيس والحزب لا تتغير. يعرفونه جيدا منذ كان قائدا للجيش، ويوقنون أنه لا يناور في مواقفه. وموقفه الاخير لم يكن ضد المقاومة، بل من باب النقد البناء. عندما ذهب “حزب الله” الى سوريا لم يستشر رئيس الجمهورية. اين دور الرئيس اذاً؟ “حزب الله” صار يعتبر حال اقليمية. لتحصين ثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة” يجب حصول التنسيق بين اطرافها، اذا كان رئيس الجمهورية لا يعرف، وقائد الجيش لا يعرف، والشعب الذي هو جزء من هذه المنظومة، منقسم حول الموضوع، كيف ستجري الامور؟ رئيس الجمهورية دعا الحزب الى العودة الى الداخل لنتفاهم مع بعضنا كلبنانيين، ولم يكن موقفه هجوميا للكسب السياسي، وهو يعرف ان “حزب الله” مكون اساسي في لبنان، ومقتنع بهذا الامر، من هنا دعوته الى العودة.
ألا تزال المظلة الامنية الدولية تحمي لبنان؟
– كلام الامير تركي الفيصل لم ارتح له. وهو كان رئيس مخابرات وملماً بكل ما يجري. صار تقارب ايراني – اميركي، وتفاهم روسي – اميركي على الوضع السوري، لكننا فوجئنا بردة الفعل السعودية. ولبنان يتأثر بالامر، فهو يستفيد من حصول اي تقارب، ويتضرر من اي انقسام، وخصوصا من الوضع السعودي اليوم. لا احب التشاؤم، ولكن الواقعية السياسية تفرض ذلك، ردة الفعل السعودية برفض المقعد في مجلس الامن شكلت مفاجئة للجميع، حتى للسعوديين المعنيين، وهذا يعني انه قرار سريع ورسالة.
هل سيترجمونها في لبنان؟
– لا اعرف، واتمنى ألا يدفع لبنان الثمن. لا احمل الامر للسعوديين فقط، ولكن لهم دور مهم وقديم، واذا كان الخلاف مع الاميركيين سيترجم باظهار القوة على الارض، الوضع حساس في المنطقة، ويجب قراءة الوضع الاقليمي بتأن، لذا حرام على اللبنانيين ان يضيعوا وقتهم بأمور صغيرة. الآتي اعظم وعلينا ان نحصن انفسنا.
هل سيشارك لبنان في مؤتمر جنيف؟
– نية المشاركة موجودة، لبنان لا يقاطع المؤتمرات الدولية، خصوصا تلك التي تساهم في جلب الاستقرار والسلام والامن لسوريا، لأن لبنان معني مباشرة بانعكاسات ازمتها عليه. وفي كل الاحوال نحن في انتظار زيارة الاخضر الابرهيمي لنستطلع المعطيات ونبني على الشيء مقتضاه.