عودة الى مصيرية الانتخابات
بين الاحتفال بالذكرى الرابعة للرابع عشر من آذار، وذكرى حل "القوات اللبنانية" بالامس، واحتفال "تيار المستقبل" بإطلاق برنامجه الانتخابي اليوم، تكون السياسة عادت لتطفو على الساحة الانتخابية تاركة خلفها الكثير من الضجيج التنافسي على دخول اللوائح من اجل العودة الى صلب الخلاف السياسي الجوهري في لبنان. وإذا كان النائب وليد جنبلاط الذي قال بالامس في اقليم الخروب انه تارة يغرد خارج السرب، وتارة يلتحق به، وتارة يلتحق السرب به قد أشار ضمنا الى وجوب العودة بعد الانتخابات الى صوغ مشروع "ثورة الارز" للمرحلة المقبلة آخذين في الاعتبار الصورة التي تتجاوز الاطار المحلي او الطائفي او اللبناني الضيق، وداعيا الى رفع المنسوب العروبي من بوابة فلسطين في خطاب "ثورة الارز"، فإنه نزولا عند ضرورات المعركة تمنّع عن فتح النقاش على مصراعيه الآن قبل 60 يوما من موعد الانتخابات، حيث المطلوب من الاستقلاليين تحقيق انتصار انتخابي واضح. وجنبلاط جزء اساسي من هذا التيار العريض المتنوع والتعددي، وهو معني بالمعركة الانتخابية اسوة بالآخرين، لعلمه أن تحالف ثورة الارز، على نواقصه، يبقى تحالفا يعكس خيارات لبنانية جامعة، يمكن بعد الانتخابات، وفي ضوء نتائجها، البحث في ادخال عناصر جديدة على المشروع، وربما اللجوء الى تسوية جديدة في الحكم من موقع القوة المتجددة انتخابيا على اساس انها الممثلة لرغبات غالبية الشعب اللبناني.
لم نشك يوما في ان الاستقلاليين في لبنان يمثلون الفئة الاكبر من هذا الشعب. ولا نشك اليوم في انه لو اعطي لبنانيو الانتشار حق المشاركة في الاقتراع لكانت رفدت ثورة الارز بتأييد شعبي أوسع وأكثر تنوعا مما نرى اليوم، ولكانت منحتها غالبية مريحة في الانتخابات المقبلة. ولا نشك اطلاقا في ان الخيار الامثل لمستقبل لبنان يكمن في الحفاظ على غالبية واضحة لقوى ثورة الارز، وإن لم يمكنها ان تعد جمهورها بالتغيير الحاسم، ولا بحكم أكثرية حقيقي كما طالبنا وما زلنا نطالب، ولكن وصول غالبية استقلالية الى المجلس الجديد سيؤكد النقاط المهمة الآتية:
-1 ان الاكثرية السابقة لم تكن وهمية وانما حقيقية، وقد عكست حقيقة ما يريده اكثر اللبنانيين.
-2 ان غالبية لبنانية واضحة جددت ثقتها بالخيارات الاستقلالية، الامر الذي يعني ادانة لمسار المعارضة السابقة التي خرجت على الدولة والمؤسسات، ولجأت الى الشارع بأساليب غير قانونية وعنفية، وصولا الى تعطيل مجلس النواب في سابقة تاريخية، ومن ثم الانتخابات الرئاسية، وغزو العاصمة بيروت في السابع من ايار 2008 وهي لا تزال ترزح حتى اليوم تحت احتلال مقنع.
-3 ان اللبنانيين لم يتغيروا بل ان بعض القيادات هي التي تغيّرت بعد ثورة الارز، وسيتعين عليها أن تراجع حساباتها السياسية، وان تعيد تموضعها بوضوح.
-4 ان النظام السوري ما استطاع على الرغم من كل الدسائس ان يُنسي اللبنانيين مرحلة الوصاية الاحتلالية، ولا تمكن من ان يثأر من التيار الاستقلالي العريض في البلد.
-5 ان اللبنانيين اختاروا مشروع الدولة، و يرفضون دويلة الحزب وجيش الحزب. وان الاحتماء بالطائفة لن يعود كافيا لمواصلة مسيرة الخروج على الدولة، والقانون والاجماع الوطني، وبالتالي فإن السلاح لن يكون كافيا لابقاء زخم الدويلة وجيشها.
-6 لا حلول حاسمة سريعة، ولكن لا مناص من التجديد للغالبية النيابية من اجل منع تقدم مشروع الدويلة.
-7 سيؤكد التجديد للغالبية الحالية أمرا في غاية الاهمية: ان الاستقلاليين هم استقلاليون بمقدار ما هم حزبيون او مستقلون، وقد لاحظنا في بعض الاحيان تقدم معيار الانتماء الى 14 آذار وثورة الارز على الانتماء الى الاحزاب. و هذه علامة مشجعة كونها تعكس مشاعر وطنية مشتركة عابرة للاحزاب والطوائف لا بد من النظر اليها باحترام والبحث عن وسائل جديدة لابرازها.
في الطريق الى السابع من حزيران لا بد من جهد حقيقي للقفز فوق الترشيحات والاشخاص وتغليب السياسة بالعودة الى اعتبار الانتخابات تنافسا بين خيارين سياسيين متناقضين. وبالتالي اعتبار الانتخابات محطة مصيرية في مرحلة يتهدد لبنان فيها خطر وصاية من الخارج، وورم دويلة مسلحة من الداخل!