#adsense

عن مخاض الليالي “البيضاء”

حجم الخط

عن مخاض الليالي "البيضاء"

الى أن تضع مرحلة المخاض الصعب الجارية في مقار الزعامات وكواليس المطابخ السياسية والحزبية "والتياراتية" نهايتها السعيدة بولادات اللوائح المتعاقبة، لاندري بعد المدى الذي أحدثه هذا المخاض سلبا او ايجابا لجهة استنفار القواعد الشعبية تحفيزا للانتخاب او امعانا في الادبار والحياد عن الاستحقاق كلا.

ومع ذلك، وبصرف النظر عن الكثير من التهور والتسرع والانزلاق في التقديرات المسبقة المبنية على هذا المخاض تحديدا، لا يمكن اغفال الجانب الأخاذ في مشهد لبنان المحموم بديموقراطيته، ولو مصابة بأمراض التركيبة الموروثة بكل ما يشوهها.

مشهد الليالي "البيضاء" الطويلة للتصفيات الانتخابية التي تطير فيها أسماء وتحط أخرى ويتطاير مرشحون ويقبع مكانهم محظوظون وتنجو لوائح بجلدها بقطع النفس وتنهار أخرى تحت وطأة التنافس، هو شيء من مذاق هذه الخصوصية اللبنانية الخالصة التي تميز ديموقراطية لا تزال تكابد بقسوة وسط محيط غالبا ما حسدها الى حد التدمير والتقويض.

ثمة في "ليالي لبنان" الراهنة على الاقل ما يناقض تماما كل "ليالي السكاكين الطويلة" التي أريد له على مدى حقبات طويلة ان يلتحق "بثقافاتها" الدامية، عبر تدمير نظامه وجعله نسخة مطابقة عن "توتاليتاريات" او تحويله محمية تدار من بعد.

هذا البعد لا يراه اللبنانيون بوضوح الآن، ولا يلامون على ذلك. فلا اعتبار يعلو صوت التحشيد الصارخ بين 14 آذار و8 آذار ما دام الصراع بلغ ذروة الذروات في سباق على مقاعد قد لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. ولا صوت يعلو صوت معركة الأحجام داخل الصف الواحد، أكثريا كان أم أقليا، على ضفة 14 آذار او على ضفة 8 آذار. ولا صوت يعلو صوت اعادة "هيكلة" الصراع المسيحي – المسيحي عشية موقعة فاصلة حاسمة تضع المسيحيين في موقع "المقرر" لوجهة النظام بالاصالة عن انفسهم وبالوكالة عن سواهم فترى هناك من يحسدهم على هذا "الامتياز" فيما ثمة من يخشى عليهم من سوء العواقب لافراطهم في تحمل ما لا يتحملون، وفي تحكيم العدد مكان النوعية. ولا صوت يعلو صوت اعادة التفويض الى زعامات السنة والشيعة والدروز ولو تنازل بعضها عن حصص ووزع بعضها الآخر أنصبة على حلفاء وتطوع البعض الثالث بأخرى كرمى لعين الفريق او حبا بعلي وليس كرها لمعاوية او لدوافع تتجاوز المقاعد النيابية الى مشهد ما بعد 7 حزيران واستحقاقاته في اعادة ترتيب النظام والمجلس والحكومة والحكم وسائر المشتقات.

كل هذا يعتمل اليوم في مخاض عجيب غريب يغلب فيه "الشخصي" على "المبدئي" و"المحاصصة" على "القضية"، مخاض الاسماء الصاعدة والهابطة قياما وقعودا، وسط حمى مجنونة لاهبة ستقيد سجلاتها في ارتفاع مطرد للترشيحات في قيود الداخلية مع تراكم أسماء المرشحين عشرات عشرات تقفز يوميا وتتجمع معها أحلام المئات التي باتت تضيق بها هذه السجلات في تهافت غير مسبوق على الترشح.

لكنه مذاق فريد "ممتع" في هذا الشرق التاعس، ان ترى طوائف لبنان ومذاهبه وأحزابه وتياراته وعائلاته وعشائره وسائر مكونات تركيبته الاجتماعية "تغلي" بهذا الحماس المتقد ولو بتفاوت كبير بين "بيئة" وأخرى. في مناخ كهذا تأسف بطبيعة الحال لأن الحمى تلهب بعض "البيئات" وتشعلها الى حدود هستيرية، ولا تقترب من "بيئات" ولا تمسها كأنها حرف جامد ممنوع من اي "محاولة" اختراق. ومع ذلك فالناظر بعمق الى هذا الغليان لا بد من ان يدرك ان هذه العدوى آخذة في التمدد والاتساع الى حدود عصيان أي بيئة، ولو لاحقا، على التحصن والاحتماء منها. والديموقراطية مسار لا يمكن تقنينه وضبطه وتدجينه. وليس من اثبات أكبر على ذلك من اقتحامه الآن أسوار فريقي النزاع بعبث كبير قبل ان يحل موعد الاحتكام الى الاقتراع.

المصدر:
النهار

خبر عاجل