برنامج انتخابي عبوراً الى الدولة
اذا كانت الانتخابات النيابية المقبلة مفصلاً ومنعطفاً في الحياة السياسية اللبنانية، ومناسبة ديموقراطية ليعبر المواطن اللبناني عن رأيه، فالملاحظ اولاً واخيراً ان الهدف هو العبور الى الدولة، دولة القانون والمؤسسات، ودولة لبنان السيد الحر المستقل ودولة لبنان الحضاري الرابض على جبين هذا الشرق الكبير. هذا، في وقت اعلنت قوى 14 آذار برنامجها الانتخابي السياسي. برنامج نكبر ما جاء فيه من عناوين لقيامة لبنان الحداثة، وتطوير صيغته الفريدة وتثبيت العيش المشترك. الا انه كان أحرى بقوى 14 آذار ان تصل ببرنامجها الى خواتيمه بأخذ رؤى وافكار جماهيرها والالتصاق بها اكثر فاكثر لمزيد من إنجاح برنامجها، ولمزيد من القوى والدفع. ناهيك عن ان ما تضمنه برنامجها هو امتداد لبرامج سابقة وردت خطوطها العامة في برنامجها الاخير. من هنا يشتمّ بان برامجها ليس فيها من جديد بالرغم مما فيها من ابعاد ودلالات وبالرغم مما تحمله من مضامين تتلاءم والمرحلة الراهنة. فهل هذا هو المطلوب فقط للوصول الى الدولة الحلم؟ فما من قارئ او مطلع الا ويقول: ان المناسبات التي تقيمها ثورة الارز بالرغم من ثقلها ومن ثقل نخبها السياسية كانت اقرب الى التكوكب والتحلق حول اشخاص اكثر منها انسجاماً ومواكبة لحركة التاريخ، واعداد خطاب سياسي اكثر قبولاً وانفتاحاً نحو المستقبل عبوراً الى الدولة.
فما حصل في ساحة الحرية، لا شك في أنه اشبه بقطعة ماس تألقت واضاءت وانارت العقول وفتحت الاذهان في 14 شباط الماضي وجيشت الناس فكان ان تمخض عن ذلك من بعد الوثيقة السياسية في "البيال" الا ان هذه المناسبة لم تكن لتشكل حالة سياسية وحركة استباقية وهذه الندهة الى جماهيرها والاحتكاك بها وحوارها عن قرب. وبالرغم من ان الوثيقة مصوغة كقطعة حلي، الا انها لم تحدث هزة ورعشة في القلوب والنفوس ولا في الاذهان جدة وحراكاً لانه ما زال هنالك هوة بين القيادة والقاعدة، ولا سيما على مستوى رفع وتيرة النضال العمالي والنقابي واهل الخبرة في كل الميادين الاقتصادية والبيئية والاجتماعية سعياً وراء هندسة المرحلة مساهمة في تصويب ما يمكن تصويبه وتحديث ما يمكن تحديثه وهذا ما يصقل الفكر والاذهان تأهباً لوضع اللمسات الأخيرة على المشروع السياسي. وذلك يتطلب المزيد من الشعبوية كرافعة للدفاع ولتحصين وحماية الثوابت فيشعر المواطن بوجوده فلا تعود مهمته الادلاء بصوته ورمي ضميره في الصندوق او التحلق في الساحات والزواريب لا غير بل جزءاً من ورشة عمل وحوار سيما واننا بأمس الحاجة الى عطاءاته وتقديماته وافكاره. وخدماته وان لا قيمة لاي عملية انتخابية دون اشراكه. خاصة وانه المعني اولاً واخيراً صوناً واحتراماً لوجوده وقيمه بما يدفع المشروع الوطني الى الامام وبما يكسبه زخماً وجلالاً وارضية شعبويه وقابلية للاسراع في التطبيق والتنفيذ، ناهيك عن تقديم المواطن نفسه قرباناً على مذبح السيادة والاستقلال ساعتئذ اذا ما طلب منه ذلك.
في هذا الاطار على قوى المعارضة ملاقاة قوى 14 آذار ولاسيما ان اصفى واكبر اشكال النضال الوطني يكون بتوحيد الجهود وضم الانتصارات الى بعضها البعض إنجاحاً للمشروع الوطني العام. وذلك لن يتم الا بالتصاق القيادة بجماهيرها، وبقواعدها المتنوعة والمتعددة. اما اذا بقي قياديوها في حال المراوحة والجمود، والسيطرة على طائفتهم اياً تكن هذه الطائفة فانهم يزدادون غرقاً في نفق المذهبية والاستمرار في العداء الى ما لا نهاية وهذا قد يقذف بالمشروع الوطني الى المجهول ويسجنه في دائرة كابوس التمذهب والتطيف. بما يصل بالوطن الى حد تدمير مقوماته والى حد تدمير صيغة التعايش وبالتالي ثوابته. ثوابت يجب ان يعلي من شأنها الجميع ويحافظ عليها حتى في ظل الانقسام.
وهذا لا يعني ان الوسطية في الحل او البديل. فالوسطية تاريخياً يضربها الغموض والالتباس فكيف في وقتنا هذا ولاسيما ان هنالك اناسا في الوسطية فيها من المثالية ما يصل الى حد الحلم. اما الوسطيون الآخرون فيحلمون بتبريد الاجواء والى حد ابعاد الجميع الى مدى الى حد العزل والغاء الرأي الآخر. املاً منهم بالزرع ومن ثم الحصاد على كل حال نحن لا نرفض الوسطية المطلقة، ولا نريد لها سوءاً. الا اننا نأمل ان تحمل هذه الرصانة والرزانة ما يحفظ لها كيانها وجديتها لتعود فتحمل من التحديث والتجديد الكثير.
فالتزمت لا يمت بصلة الى الوطنية، والى العمق الوطني خاصة واننا في مرحلة تتطلب من الجميع احداث كوة او نافذة بين الطوائف تحديداً إغناء لهذه التلاوين الاجتماعية وصولاً الى التضامن الاجتماعي العادل إغناء للديموقراطية وللبنان الذي نطمح اليه مستقبلاًَ فما من طائفة في لبنان الا وساهمت في قيامته، فقدمت ما قدمته من شهداء يوم قاومت التتريك فكان ان علق على اعواد المشانق خيرة قادة وشباب لبنان ومن مختلف اطيافه وفئاته. ومن ثم جاء ميثاق الـ 43 وبالرغم من كل سيئاته ادى الى التماسك بين طوائف لبنان ومن بعد الاستقلال الثاني عام 2005 وانجاز التحرير عام 2006 كل هذه الانتصارات والانجازات، وكل التلاقي ادى الى تجسيد هوية لبنان العربية، والى عدم قطعه وفصله عن عالمه العربي، وبالتالي الى عدم التخلي عن ثقافته ولغته وديناميته الاقتصادية، والى التواصل مع هذا العمق العربي الرحب. هذا وقد تأكد ان ما من طائفة تستطيع الاطمئنان لاسرائيل ومد اليد اليها على حساب عائلتها العربية سيما وان المشكلة الفلسطينية في اولوياتها القومية الا ان المسؤولية تقع على عاتق العرب جميعاً لا على لبنان وحده.
اما بالنسبة للقانون الانتخابي في لبنان فانه لا يقود الى الخلاص من مرض الطائفية سواء اكان في المناطق المتنوعة ام في المناطق ذات اللون الواحد بل بايجاد قانون انتخابي يغلّب المنطق الوطني على المنطق الطائفي مستند الى مناهج وبرامج لا تحلق حول اشخاص افساحاً في المجال امام اهل الكفاءة وايصال النخبة الى الندوة النيابية، واما بالنسبة للوضع الاقتصادي فان العالم باكمله يغرق في هذه الازمة الاقتصادية والتي قد لا ينجو بها احد بما في ذلك لبنان، لذلك لا غنى عن رؤية اقتصادية تحول دون هذه الازمة المالية التي قد تضرب لنان وشيكاً في حال لم يأخذ المعنيون احتياطات تقي لبنان شر دهاقين وسلاطين وحوش المال الكاسرة من خلال تكامل اقتصادي عربي مشترك في اطار برنامج يحمي الطبقات الاجتماعية المعدومة ويأخذ بعين الاعتبار توزيع الثروات بشكل عادل رافعاً الانتاج القومي الى سدة الانتاج العالمي مخرجاً الطبقات الفقيرة من العدمية الى تحصيل لقمة العيش بحسب انتاجها وعطائها وبحسب قانون العدالة الاجتماعية.
المطلوب في هذه المرحلة عدم الجمود والقيام بخطوات استباقية وتخطي الماضي الأليم استشرافاً للمستقبل، لذلك علينا بأنفسنا نحن اللبنانيين. فما لهم لهم وحدهم، وما لنا لنا وحدنا، مرجعيتنا الدستور والطائف فلنتمسك بهما.