#adsense

“نحن الزمان” قالها معاوية واستعادها نصرالله

حجم الخط

 

في سابقة هي الأولى من نوعها، يدعو زعيم تنظيم مدرج على لوائح الإرهاب الأميركية والأوروبية أخصامه في البلد وفي الإقليم الى التعاون مع جهود المجتمع الدولي من أجل تسوية سياسية للنزاع الدائرة رحاه في سوريا، ويبشّر بالبراغماتية ضد ما يسمّيه “عناد بلا أفق على الإطلاق”.

لعلّها من مفارقات هذا الزمان، ان لم تكن من علامات الساعة. والرجل لم يكذّب خبراً، تراه ينبئ بما في الغيب، ويحدّث أخصامه، المحليين والسوريين والعرب، عن الزمن الآتي، قائلاً ان “الزمن الآتي ليس في مصلحتكم، لا ميدانياً ولا داخلياً في سوريا، ولا اقليمياً ولا دولياً”.

وفي اليوم التالي، على الخطبة الجامعة بين الدعوة الى التعاون مع المجتمع الدوليّ وبين الإنباء بالغيب، اختارت الصحيفة الأمنية للممانعة عنواناً مكثّفاً لمندرجات خطاب زعيمها المفدّى: “هذا زمننا”. ما كان يفترض أنه بحسب الأيديولوجيا الدينية التي ينتهجها التنظيم الخميني الذي يقود قوى الممانعة في لبنان هو زمن الغيبة الكبرى، زمن لا ينفك المؤمن يعامله كزمن منفى، وينتظر كيف سيذهب هذا الزمن أدراجه، وكيف سيأتي زمن ظهور القائم، الإمام، المهدي، وزمن الرجعة، أصبح زمناً يمكن التماثل معه، وتبنيه، والتكلّم باسمه، ونهر من يعانده. انه زمن الطاووس.

لكنّ ما وصفه حسن نصر الله بأنه “زمن ليس في مصلحتكم”، وما تبنته الجريدة المؤتمرة بتوجيهات حزبه على أنه “زماننا”، لا يعدو كونه استعادة لمقولة، وأي مقولة، تلك التي تنسب الى مؤسس الدولة الأموية معاوية بن أبي سفيان “نحن الزمان من رفعناه ارتفع، ومن وضعناه اتضع”.

طبعاً، في بعده السياسي البحت، واضحة تماماً الدلالات التغلبية المذهبية لمقولة “هذا زمننا”، حيث يجري العزف على منوال الأطروحة المارونية السياسية الشهيرة “ما لنا لنا وحدنا، وما لكم لنا ولكم”، أو شيئاً من هذا القبيل. لكن الموضوع لا يمكنه أن يقتصر على هذا البعد. ثمة أيضاً انقلابٌ على مستوى الرموز. الاقتراب بين “هذا زمننا” التي يطرحها “حزب الله” اليوم وبين “نحن الزمان” التي تنسب الى الخليفة معاوية ليس شكلياً فقط. انه استعادة للمنطق “القدري” نفسه: لي الغلبة والشوكة إذاً أنا على حق وبصيرة، وما عليكم الا الولاء والطاعة. السيد حسن يعيد الإعتبار اليوم لبني أمية!

لكن الفارق الأساسي هو أنه عندما قال معاوية “نحن الزمان” كان فعلاً قد حسم الصراعات في زمانه لمصلحته، في حين أنّ السيد حسن يقع على الدوام في دوامة “انتصرنا في الماضي – ننتصر في الحاضر – سننتصر في المستقبل”، وهذا تفريغ لأي انتصار من مضمونه. في أقل الايمان لا يمكنك أن تخوض معركة وتقول إنك انتصرت فيها قبل أن تنتهي هذه المعركة، والانتصار على الخصم لا يكون بـ”اقناع” هذا الخصم بأنه مهزوم أو بأنه سيهزم، ثم ألا يلغي السيد مفهوم “الحل السياسي” للأزمة السورية من مضمونه اذا كان يتحدّث عن “انتصار ميداني”؟ ما الحاجة الى الحل السياسي في جنيف اذا كان الانتصار الميداني محققاً وحتمياً؟

“هذا زمننا”، زمن تعليق الغيبة الكبرى من دون أن يظهر الإمام، زمن اختلاط الحابل بالنابل، حيث اننا أمام تنظيم على لوائح الارهاب ويبشّر بآليات المجتمع الدولي، زمن محاولة اقناع الخصوم بأنك انتصرت عليهم، لكنه قبل كل شيء زمن التبختر بما تجري المبالغة بشأنه من “تقارب أميركي – ايراني”، وهي مبالغة يساهم الخطاب السياسي والاعلامي اللبناني والعربي في دفعها الى حدود الهلوسة، حيث انه خطاب يتعامل مع الأخبار والأحداث كما لو أنّها تنقلات فجائية، عجائبية، سحرية، في الزمان والمكان. لكن الشيء العجيب الوحيد في هذا الزمان أنّ من أقام كل حجيته العقائدية الدينية والأيديولوجية على رفض مفهوم “الإجماع”، ومن زاد عليها في السياسة الداخلية “ان المقاومة ليست بحاجة الى اجماع وطني” صار ينظّر لـ”الإجماع” في المجتمع الدولي على الحل السياسي التسووي في “جنيف-“، متحاملاً على “رافضي” هذا الإجماع!
انه زمن الطاووس!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل