الغالبيّة تعطب الكتلة الوسطيّة… وتعيد الوديعة إلى أصحابها
نقولا ناصيف
يوماً بعد آخر يتأكد أن انتخابات حزيران لن تكون إلا على صورة أي انتخابات نيابية عرفها اللبنانيون قبل عام 1972. كالمصيبة تماماً. تبدأ كبيرة عند تأليف اللوائح وتنتهي صغيرة عند إعلان النتائج. ولا تعدو إلا تسابقاً على المقاعد بين أفرقاء يتقاسمون الشعبية في منطقة أو أخرى. بدورها، أبرزت الطريقة التي اتّبعت في تأليف اللوائح أخيراً واسترضاء كل فريق من ضمن التحالف نفسه، الحقيقة الفعلية لهذا الاستحقاق، وهي أن التنازع على المقاعد أصبح أهم من الشعارات التي رفعت.
بدأت انتخابات 2009 قبل أشهر بلافتات سياسية وضعت اللبنانيين بين أحد خيارين كلاهما يعد بوجه مختلف للبنان، وروّجت لانتخابات مصيرية لا يلبث أن ينتهي تأليف لوائحها، داخل كل تحالف، إلى تقاسم المقاعد على نحو كشف هشاشة هذا التحالف من جهة، وأن كل طرف من داخل التحالف نفسه ـــــ وهو ما يصحّ على قوى 14 آذار ـــــ لا يريد أن يثق إلا بنفسه بإصراره على حصته من جهة أخرى.
كانت تلك أيضاً حال انتخابات 1968 التي خيّرت اللبنانيين ظاهراً بين العسكريتاريا والديموقراطية، وبين الدولة المهابة السيّدة وتسيّب السلاح الفلسطيني، على غرار شعارات هذه الأيام. فإذا بالمشكلة تصبح في توزيع المقاعد بين ثلاثة زعماء موارنة أخفقوا في التفاهم، إلى أن أخرجهم النائب الراحل كاظم الخليل من المأزق بأن حدّد لكلّ منهم الحصة التي يستأهل. ربح الحلف الثلاثي كل مقاعد الدوائر التي وزّع الخليل حصصها عليهم في كسروان والمتن الشمالي وبعبدا، وخسر كلّ من الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل والعميد ريمون إده في دوائره مقعداً أو أكثر بسبب رغبته في الاستئثار بها.
لكنّ حصيلة ما أضحت عليه انتخابات حزيران باتت توجزها ملاحظات منها:
1 ـــــ نعت قوى 14 آذار الكتلة الوسطية بعدما كانت سبّاقة إلى طرحها. وخلافاً للمعارضة التي اتخذت منها سلفاً موقفاً سلبياً جازماً مذ طُرِح هذا الخيار، بيّنت الموالاة أنها غير مستعدة لتصديق نفسها باقتراح ينتقص من مقاعدها من أجل تقديمها إلى رئيس الجمهورية. وبعدما أسهب أقطابها في تبرير الحاجة إلى هذه الكتلة للفصل بينهم وقوى 8 آذار بغية تمكين الرئيس من الحكم وتعطيل أي استئثار، اكتشف صاحبا الدعوة إلى الكتلة الوسطية، النائبان وليد جنبلاط وسعد الحريري، أن حلفاءهما المسيحيين يتسابقون على نهب المقاعد على نحو لا يسع أياً من اللوائح تحمّل وجود مرشح مستقل كالنائب السابق جان عبيد أو النائب عبد الله فرحات، كانا بالنسبة إلى الزعيم الدرزي أبرز ممثّلين للكتلة الوسطية.
2 ـــــ ينظر الحلفاء المسيحيون إلى جنبلاط والحريري على أن مطالبتهم بمقاعد طائفتهم لا تعدو كونها إلا وضع حدّ لاستثناء اخترعه السوريون في لبنان منذ انتخابات 1992، عندما وزّعوا المقاعد المسيحية على حلفائهم وأخصّهم الرئيس نبيه بري وجنبلاط وحزب الله، قبل أن ينضم الرئيس الراحل رفيق الحريري إليهم ويحصد بدوره المقاعد المسيحية في بيروت. مذ ذاك تحوّلت المقاعد المسيحية في الجنوب والبقاع وجبل لبنان الجنوبي وبيروت حقاً مكتسباً لهؤلاء الزعماء، وقد تسلّح هؤلاء بحجة مبرّرة هي الدائرة الانتخابية الموسّعة (المحافظة) تارة، والتناقص الديموغرافي طوراً. كان للأمر مغزى قصير الأمد لدمشق هو إمساكها بنصاب البرلمان بمقاعده كلها تقريباً، ومغزى بعيد الأمد للزعماء الشيعة والدروز والسنّة هو تحوّلهم زعماء وطنيين ممثّلين لمسيحيين ومسلمين على السواء.
على نحو كهذا، يستعيد المسيحيون الوديعة المؤجّلة.
3 ـــــ لم يتردد جنبلاط في إبراز مرارته وغصّته وهو يتخلّى عن حلفاء في سبيل حلفاء آخرين، كي يختصر ما يدور بين قوى 14 آذار بأنه تسابق على مقاعد نيابية يجد الزعيم الدرزي وكذلك الحريري أنهما معنيان باستجابتها للمحافظة، لا على وحدة التحالف فحسب، بل أيضاً على الغطاء المسيحي الذي يوفره الحلفاء المسيحيون. إلا أن جنبلاط والحريري يدركان أن عدم استجابتهما لمطالب الشركاء المسيحيين لن يقود الأخيرين إلى العصيان ومغادرة قوى 14 آذار ما داموا لن ينضووا في التحالف المضاد. ولأن جنبلاط لم يكظم استياءه من إرغامه على تنازلات أضعفت كتلته النيابية، لم يتأخر في إبراز التناقض السياسي بينه وبين حلفائه. لم يعد كالحريري يجد الانتخابات مصيرية، وكان سبّاقاً إلى نعتها بذلك لأشهر خلت، ولم يعد يجد نفسه في قلب شعارات حلفائه بالقول بـ«لبنان أولاً» إلا على طريقته، أو بمهاجمة سلاح حزب الله، أو بتصعيد وتيرة خلافه مع سوريا، أو بالانتحاب على أحداث 7 أيار. وهو في أي حال ذهب في المواجهة مع دمشق إلى أبعد ممّا اعتاده الزعماء المسيحيون لأنفسهم. لم يعد يجد ما يجمعه بالموالين إلا إطار التحالف. يتلقّف الصدمات كي لا يخذل شركاءه.
4 ـــــ يتصرّف الموالون والمعارضون في تأليف اللوائح انطلاقاً من تيقّنهم المسبق من الدوائر التي سيربحون فيها وتلك التي سيخسرون مقاعدها. وهو مغزى سعي الرئيس أمين الجميّل إلى مقعدين مضمونين في عاليه وطرابلس بأصوات حلفائه، ورئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع إلى مقعدين مضمونين في البترون والشوف بأصوات حلفائه أيضاً. حول المقاعد الأربعة هذه دارت مفاوضات مضنية، في حين لم يتحمّس الجميّل وجعجع لمقعد في بعبدا، وهما يدركان أن المقاعد المسيحية في هذه الدائرة ذاهبة إلى عون بفضل حليفيه الرئيس نبيه بري وحزب الله.