#adsense

11 شباط موعد تَبيّن حصيلة “صراع الفرصتين”

حجم الخط

النظام العربي أعطى مبادرته اللبنانية فرصة “أخيرة” والنظام السوري يأخذ فرصته لإسقاطها

11 شباط موعد تَبيّن حصيلة “صراع الفرصتين”

نصير الأسعد

 

لدى التدقيق في النصّ الصادر عن الاجتماع الأخير لمجلس وزراء الخارجية العرب حول لبنان، يتبيّن انّ ثمّة نقطتين جديدتين على صعيد المبادرة العربية لحلّ الأزمة اللبنانية.
النقطة الأولى هي التي، بالإستناد إلى الدعوة الموجّهة إلى مجلس النواب لإنتخاب رئيس الجمهورية في 11 شباط المقبل، تحدّد هذا التاريخ موعداً “عربياً” لتنفيذ البند الأول من المبادرة، أي الإنتخاب الفوريّ للرئيس التوافقيّ العماد ميشال سليمان.


والنقطة الثانية هي توصية الإجتماع العربيّ إلى الفرقاء اللبنانيين بالإنطلاق من البيان الوزاري للحكومة اللبنانية الحالية لتحديد مرتكزات سياسية حكومة الوحدة الوطنية حيال المرحلة المقبلة. وبالرغم من جدّتها، فانّ هذه النقطة لا يمكن أن تعني إغفال البيان الوزاري للحكومة المقبلة قرارين دوليين رئيسيين هما 1701 والقرار 1757 المتعلّق بالمحكمة الدولية.
هاتان النقطتان جديدتان، على إعتبار انّه من الواضح انّ الوزراء العرب تبنّوا التفسير الذي أعطاه الأمين العام عمرو موسى للبند الثاني المتعلّق بـ”صيغة” الحكومة بعد إنتخاب الرئيس، أي لا تحصل الأكثرية على “النصف زائد واحد” وسقفها 15 وزيراً في الحكومة الثلاثينية، ولا تحصل “المعارضة” على “الثلث زائد واحد” وسقفها 10 وزراء، ويحصل رئيس الجمهورية على كفّة الترجيح سواء باتجاه ثلثي القرار أو باتجاه ثلث التعطيل. وقد كرّر موسى هذا التفسير بلا أي التباس في المؤتمر الصحافي الرسمي في نهاية الإجتماع العربيّ، وفي حضور رئيس الدورة الحالية للجامعة العربية وزير خارجية الجزائر.


حتّى 11 شباط: فرصتان عربيّة وسوريّة


النقطة الأولى، أي إدخال موعد 11 شباط ضمن النصّ العربيّ هي الأهم وهي جديدة بمعنى انّ النصّ “السابق” لم يحدّد تاريخاً للإنتخاب الفوريّ للعماد سليمان. غير ان إيراد الموعد نصّاً يشتمل على معاني “أبعد”.
ليس ثمّة رغبة في “الجور” على النصّ. بيد أنّ هذا التحديد الزمني يحتمل كونه إشارة إلى انّ ما بعد هذا التاريخ “يوم آخر”. وبكلام آخر، يُفهم هذا التحديد نصّاً على انه ليس مجرّد “موعد حثّ” ـ كما يقول القانونيون ـ للأطراف اللبنانيين على إنجاز إنتخاب رئيس الجمهورية، بل هو بمثابة موعد أخير لتنفيذ المبادرة العربية. فاذا كان الأمرُ كذلك، وعلى الأرجح انّه كذلك، يكون النظام العربيّ الذي أعطى نفسه فرصةً حتّى 11 شباط، قد أعطى النظام السوري فرصة أخيرة حتّى 11 شباط لإبداء التزامه المبادرة وتنفيذها أي مدّد له بعض الوقت بعد أن فشل وزيره وليد المعلّم في منع صدور البيان الجديد وفي إبقاء التفسير ضبابيّاً.


تطوّرات “إقتحمت” المبادرة


أمّا لماذا أعطى النظام العربيّ نفسه هذه الفرصة المحدّدة فأعطاها للنظام السوريّ تالياً، فذلك هو السؤال “الفعليّ”.
في محاولة الإجابة عن هذا السؤال، يقاربُ عددٌ من المتابعين الجادّين الأمر من زاوية عربية ـ إقليمية.


وفي هذه المقاربة، انّ “المرحلة” الحاليّة من المبادرة العربيّة بشأن لبنان، تزامنت وتتزامن مع تطوّرات على غير صعيد. فالحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة احتلت الأولوية عربياً ليس فقط بسبب المعاناة الفلسطينية جرّاء هذه الحرب أو بسبب تأثيرها على “مسار أنابوليس” بين الفلسطينيين وإسرائيل، بل بسبب التداعيات الخطيرة لهذه الحرب الإسرائيلية في المدار العربيّ. وليس سرّاً في هذا السياق انّ “مشكلة غزّة” بقدر ما هي “مشكلة” فلسطينية، إنما تحوّلت “مشكلة مصرّية”. مشكلة مصريّة مع “النتائج الإجتماعية” للحصار الإسرائيلي على القطاع و”التدفّق” الفلسطيني عبر معبر رفح الذي يربط غزّة بمصر. ومشكلة مصريّة مع إسرائيل إذ تغلق إسرائيل المعابر إلى القطاع فيما مصر تفتح معبرها. ومشكلة حدود بين مصر وإسرائيل وفلسطين. وبمعنى من المعاني، فانّ “مشكلة غزّة” تحوّلت مشكلة تواجه مصر في المباشر، مع انّه يجب القول إنّ مصر أدارت المشكلة بتعقّل وحكمة.


تزامناً، لا يمكن النظام العربي ألا يعير إنتباهاً إلى المتغيّرات السياسية المحتملة داخل إسرائيل، خصوصاً في ضوء تقرير “لجنة فينوغراد” الذي يجزم كثيرون بأنّ له تأثيراً على مصير الحكومة الإسرائيلية، وعلى الوضع في المنطقة تالياً.
كذلك، لا تغيبُ التطوّرات على صعيد الأزمة الدوليّة ـ الإيرانية عن إهتمام النظام العربيّ، ولا سيّما في مرحلة الاتفاق الدوليّ المتجدّد على فرض عقوبات “فعّالة” على إيران بشأن ملفها النووي.


إنطلاقاً ممّا تقدّم، يمكن القول إذاً إنّ المبادرة العربيّة تجاه لبنان “تتحرّك” في ظروف عربيّة وإقليميّة تشهد تطوّرات “حاسمة”. بل يمكن القول إنّ المبادرة العربيّة غير المتغيّرة “تتحرّك” في ظروف عربيّة وإقليمية متغيّرة.
في هذه “الأجواء”، منح النظام العربيّ نفسه فرصةً بالنسبة إلى لبنان. وهي في الواقع فرصةٌ لـ”إستيعاب” التطوّرات الجارية. وذلك من غير أن يعني الأمر أن “الصورة” ستكون في 11 شباط في ذروة الوضوح.


النظام العربي والمرحلة الانتقالية


وهنا ثمة وجهان للمسألة. الأول هو أن النظام العربي الذي أعطى نفسه فرصةً “ف” أعطى النظام السوري فرصة هو أيضاً، إنما أراد ـ بهذه الفرصة المزدوجة ـ أن يستدعي نظام الأسد الى “سراط مستقيم” في هذه اللحظة “التاريخية”. غير أن الواضح، هو أن النظام العربي يقرأ في التطوّرات المشار إليها آنفاً مرحلةً انتقالية يمكن أن “تحطّ رحالها” الشهر المقبل بـ”شكل ما” وسيكون له مع النظام السوري بعد ذلك “كلام آخر”.


أما الوجه الثاني فهو أن النظام السوري يقرأ في كتاب مختلف. ولا شك في أنه “سعيد” بالتطوّرات، أي بالتطورات نفسها التي تقلق النظام العربي. ولا شك في أنه يرى في التداعيات أزمةً للنظام العربي مفيدة له.


لذلك، فإن الوضع اللبناني حتى 11 شباط ـ وبعده ـ هو بين فرصتَين متعاكستين. فرصة النظام العربي لنفسه هي فرصةٌ للبنان، وهي فرصة لمحاولة استيعاب التداعيات و”الردّ” عليها. وفرصة النظام السوري لنفسه إذ يحاول الاستفادة من التطوّرات وتداعياتها التي يرى فيها مصدر قوة له.. ولبنان هو مكان “الترجمة السورية”.


النظام السوري يأخذ فرصته


بناءً عليه، ثمة “شيئان” مؤكدان. إن انتساب القضية اللبنانية الى معركة النظام العربي ومشروعه، مؤكّد. وتصعيد النظام السوري في لبنان في محاولة لفرض أمور واقعة، مؤكّد أيضاً. والصراع بين “الفرصتَين” هو الذي سيطبع المرحلة المقبلة، لا بل لا مبالغة في القول إن المعركة بين الفرصتَين وما تعنيه كل منهما “لا تزال” مستمرّة.
وعلى أي حال، لا يحتاج المرء الى عناء لـ”تأكيد المؤكّد”. فما شهده لبنان يوم الأحد الدامي “أصدق إنباءً من الكتب”. وما بعد الأحد كذلك.


فردّاً على المبادرة العربية، بل ردّاً على موعد 11 شباط، قال “حزب الله” باسم “المعارضة” وتحالفاتها الإقليمية إن “دماء الضاحية لن تكون ممراً الى رئاسة الجمهورية”، وسط حملة إعلامية ـ سياسية لم تتوقّف على الجيش وقيادته.


رئاسة ميشال سليمان هي المستهدفة


وهنا يجب قول الآتي. بالتأكيد لا يمكن أن يكون العماد سليمان راضياً عن سقوط ضحايا في الأحداث، لكنه الفخّ. كان الجيش بين خيارَين: إما عدم التدخّل لفرض الأمن وإنقاذ السلم الأهلي في وجه “حرب عصابات” متنقّلة من منطقة الى أخرى كان هدفها الزحف على لبنان مع كل ما يمكن أن يسفر عنه، وإمّا “قمع” الشغب وقمع الاعتداءات عليه مع ما ينطوي عليه ذلك من “مجازفة” بسقوط ضحايا سيقول تحقيق الجيش كيف سقطوا أصلاً. الجيش ذهب الى الخيار الثاني. لكن هدف منظّمي الشغب كان واحداً: إسقاط الرئيس والرئاسة.


من هنا، فإن اعتبار 11 شباط موعداً أخيراً لتنفيذ المبادرة العربية، إنّما يعني أن النظام العربي سينفض يده من النظام السوري ولا يعني أنه سينفض يده من لبنان. يعني أن النظام العربي سيُعلن لماذا فشل تنفيذ المبادرة، ولا يعني إسقاط هذه المبادرة.


وما “يجب” أن يفهمه نظام الأسد هو انّه لن “يخرج” كاسباً من المواجهة مع النظام العربيّ والمجتمع الدولي.. ومع شعب لبنان. فليقرأ “توازن القوى” جيّداً.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل