حزب الله” يريد السلطة كلها ويستغل “المعارضين” في الطوائف الأخرى
فادي شامية
عقب حرب تموز قال مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي “إن الشيعة في لبنان يجب أن يكون لهم مواقع أفضل في المعادلة السياسية”. بدورهم المتابعون للصحافة الإيرانية يوردون بين الحين والآخر مقالات مكتوبة بالروحية نفسها، الأمر الذي يؤكد أن الأزمة في لبنان لا تتعلق بانتخاب رئيس أو تشكيل حكومة، وإنما ترتبط بـ”الصيغة” التي اهتزت بفعل المتغيرات.
الصيغة المهتزة
في لبنان ثمة أصداء لذلك تتوضح يوماً بعد يوم، من قبيل إعلان موت الطائف من بعض الأبواق، وطرح المثالثة في الحكومة بما يتيح للشيعة والسنة والمسيحيين أن يسمّي كل منهم عشرة وزراء مع التوافق على رئيس الحكومة، والتذكير الدائم بالعدد، ومطالبة نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان باستعادة الشيعة وزارة المالية مقروناً بالتذكير بتنازل الشيعة “عن موقع نائب رئيس الجمهورية قبل إقرار اتفاق الطائف التزاما للتوافق آنذاك”، فضلاً عن كلمات السيد حسن نصر الله في المجالس العاشورائية مؤخراً حول رؤية الحزب الفكرية والسياسية ومستقبله “لكن الأمور تحتاج الى وقت ـ والكلام للسيد نصر الله ـ فنحن في المقاومة بقينا 18سنة حتى حققنا الإنجاز التاريخي بالتحرير عام 2000، لكن هذا لا يعني أننا نحتاج في السياسة إلى مثل هذا الوقت، بل أقل من ذلك بكثير، وإنما يلزمنا وقت وجهد وتضحيات في المجال السياسي”، وغير ذلك كثير.
بناء عليه فإن الصراع اليوم هو على السلطة كلها، وما يسميه “حزب الله” مطلب “الشراكة الوطنية” في مواجهة “الاستئثار” ليس إلا ستاراً لحقيقة الصراع، الذي بدأت معالمه تتجسد على الأرض انقساماً بين مكونات الشعب اللبناني.
في الانقسام الحاصل اليوم فإن الغالبية العظمى من السنة والدروز في جهة، والغالبية العظمى من الشيعة في الجهة الأخرى، فيما المسيحيون منقسمون. وسط هذا الصراع فإن الكل يسعى وراء شد عصب جماعته، فـ”التيار الوطني الحر” انحدر من الخطاب الوطني إلى العزف على العصبية المسيحية للحد من خسائره الشعبية المتزايدة، و”الشعور” الشيعي صار أكثر حضوراً، فيما تزداد الهواجس لدى السنة والدروز، وحالة انعدام الثقة والتعبئة ضد الآخر هي المسيطرة.
استغلال “المعارضين” في الطوائف الأخرى
“حزب الله” يسعى الى التلطي وراء “معارضين” من الطوائف الأخرى كافة. الصيد الثمين في هذا المجال كان العماد عون، الذي قدم لـ”حزب الله” منذ تفاهم مار مخايل وحتى وقت قريب الغطاء المسيحي لطروحاته، يليه في الأهمية الوزير السابق سليمان فرنجية. ولدى السنة ثمة متضررون في الغالب الأعم من توسع نفوذ “تيار المستقبل”، من أولئك الذين لم يستطيعوا أن يتخلصوا من رواسب صراعاتهم السابقة مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري ضناً بمصلحة طائفتهم ووطنهم. أما لدى الدروز فثمة صوتان لجمهور واحد، هما الأكثر عنفاً في السياسة، لكن تأثيرهما التمثيلي محدود للغاية.
بطبيعة الحال فإن ارتباط ما يسمى بالمعارضة بما يتخذه “حزب الله” من مواقف لا يحتاج إلى دليل. يكفي الاطلاع على بيانات هذه القوى ليتضح مدى التماهي بمواقف الحزب، وإذا ما حدث أي نشاز، فإن المعالجة حاضرة، تماماً كما حدث مع الدكتور فتحي يكن الذي دعا في وقت سابق إلى “أن يكون الثلث الضامن في عهدة سليمان، وبممارسة وتدخل منه عند الحاجة”، فإذا به ينقلب على هذا الموقف بعد لقائه السيد حسن نصر الله، مهاجماً الأكثرية لرفضها إعطاء “الثلث الضامن” للـ”معارضة”، ليصل به الأمر إلى القول: “إن من أهم أسباب رفض قوى السلطة للثلث الضامن تمرير مؤامرة توطين الفلسطينيين في لبنان!”.
ماذا عن الشراكة في المقاومة؟
في معرض بحث الشراكة التي يطالب بها “حزب الله”، ثمة محطة ينبغي التوقف عندها، فبعد انتشار الجيش اللبناني وقوات “اليونيفيل” المعززة في الجنوب عقب حرب تموز، ـ كنتيجة من نتائج الحرب ـ، فإن المنطق يفترض أن تتغير قواعد الاشتباك مع العدو الإسرائيلي، وإذا كان “حزب الله” يعتبر أن الشراكة في المقاومة غير قائمة لعدم اتفاق اللبنانيين على استراتيجية دفاعية، ـ رغم أنهم سيدفعون ثمن أي قرار يتخذه ـ فإنه لا يمكنه أن يتجاهل آلاف اللبنانيين المنضوين تحت لواء المؤسسة العسكرية والمنتشرين في الجنوب، حيث سيكون هؤلاء أهدافاً سهلة للعدو، بعكس المقاومين، عند أية مواجهة محتملة، ما يعني أن الشراكة في المقاومة لا يمكن أن تـُمنع عن مؤسسة الجيش، وتالياً عن الرئيس الضامن العماد سليمان، فكيف وقائد الجيش بات متهماً بأنه “يستعمل دماء أبناء الضاحية الجنوبية كجواز مرور إلى رئاسة الجمهورية”، على حد تعبير النائب عن “حزب الله” علي عمار؟!. وكيف إذا كان النائب عن “حزب الله” حسين الحاج حسن يعلنها بوضوح بأن “لا شراكة في التفاوض على الأسرى والأشلاء”؟ وكيف إذا كانت المعلومات تشير إلى أن الحزب قام في الفترة التي سبقت وأعقبت المناورة الشهيرة التي أعلن عنها برفع قوّته القتالية وتكثيف تدريباته وتطوير وحدات جوية وصاروخية وهندسية تلقت تدريباتها في إيران، الأمر الذي يؤكده جزئياً عدد الذين أعلن “حزب الله” مؤخراً عن استشهادهم “أثناء القيام بالواجب الجهادي” على ما درجت عليه بيانات الحزب في مثل هذه الحالات؟!.
التحرك في الشارع
الحيثيات المتقدمة جميعها تجعل الشارع في حال احتقان يصعب معها التكهن بنتائج اعتماده كوسيلة ضغط، بدليل ما جرى يوم الأحد الأسود، حيث تأكد لمن يعنيه الأمر أن لا شعارات مطلبية ولا طروحات سياسية قادرة على تجنب الفتنة التي يقول الجميع إنه لا يريدها. أكثر من ذلك، فإن ما أثبتته أحداث 27 ـ 1 أن لا “معارضين” حقيقيين غير الشيعة، وأن الجمهور المعارض والمعبأ مذهبياً سيجد قبالته جمهوراً مماثلاً، أما “الحلفاء” فسيسقطون بسرعة. أليس هذا ما يصيب القوة التمثيلية للعماد عون كلما اشتعلت الإطارات والمواجهات؟! من باب أولى فإن الأمر نفسه سيصيب من هم أقل قوة في الشوارع الأخرى، خصوصاً تلك القوى الكرتونية التي تستمد حياتها من “حزب الله” وجمهوره وماله وسلاحه، وستكون عندها المواجهة “بلا قفازات”، والضحية هو هذا الوطن المعذب.