#adsense

بين شرعية “جنيف” وشرعية الشعب السوري!

حجم الخط

 

من سيحضر جني، ومن سيغيب؟ بعد اسبوعين يهّل كالقمر الموعد المرتقب أو غير المرتقب. هل تحضر المعارضة فربما تقع في الكمين الذي تنصبها لها “الشرعية الدولية”، ومن ورائها المربع غير العربي المتين: أميركا +روسيا + إيران+ اسرائيل. لكن من جانب آخر النظام “يُهدد” بعدم تلبيته الدعوة إذا لم تحقق بعض شروطه وابرزها ان يقود الرئيس الأسد المفاوضات بنفسه حتى من دون طاولة “مستديرة” (يتساوى فيها المتنازعون)، بل بأخرى مستطيلة يمكن عبر كراسيها المصفوفة بأناقة الذوق الأوروبي، ان يترأس اللقاءات. حتى اللحظة هناك “حضور” معلق من هنا، وآخر معلن من هناك: كأن الصراع بات بين طاولة أعجمية اسرائيلية رباعية الدفع، وبين أخرى مستطيلة القامات والرؤوس، بحيث، إذا تم اللقاء بعد اسبوعين سيحضر هذا الفريق، وكأنه لم يحضر، ويبقى حضور القوى في الميادين عبر استمرار المعارك والتهجير والتدمير والقتل والخراب. حتى الآن ما هو مؤكد ان ” جني” الفعلي، لن يكون حيث من المفترض ان يكون، بل على دماء الشعب السوري. ” جني” الديبلوماسي مُغيَّب، وجني دم السوريين مستمر. وبين جني “الافتراضي” وراء الكواليس وعلى لسان “الأسودِ الابراهيمي” وجني الواقعي في المذابح اليومية يغيب كل حل، بل وكل تقاطع وكل تناحر. فإذا كان الائتلاف الوطني انسجاماً مع قناعات الشعب السوري المقاوم، يريد ان تكون المرحلة الانتقالية من دون الرئيس الأسد فهذا الرئيس يريد المرحلة الانتقالية بقيادته، وحتى من دون المعارضة المقبلة.

بمعنى آخر، وبما ان الاعلام الغربي التافه، تسانده البروباغندا الاسرائيلية والإيرانية والروسية والأميركية، بات “يختزل” الثورة السورية بالارهاب فمن الطبيعي أن ترفض مشاركة الشعب السوري في المفاوضات. وهذا الاختزال يطاول كذلك المعاني الأساسية لقيام الثورة ضد النظام الدكتاتوري، نظام السكود والبراميل المتفجرة، والكيماوي والطيران الحربي، هو الذي يُهيأ بعد أكثر من سنتين ونصف السنة، لاختزال الشعب الذي صار ضده وسياسة الاختزال هذه باتت كأنها “مُحيدة” 1500 شهيد قضوا أي كما تركزت الأمور على نزع الكيماوي من دون محاسبة المجرمين الذين اطلقوه ليصبح الاتهام موجهاً إلى الضحايا، فمن الطبيعي ان يُختزل الشعب السوري (23 مليوناًُ) بما سموا الارهابيين من “النصرة” و”القاعدة” وداعش. فالمسألة لم تعد ثورة بين شعب ونظام. بل بين نظام “يدافع” عن “القيم” الانسانية. وبين الارهاب… فما أدق هذه الحسابات.. ويكفي ان نستذكر تصريحات “للأسود” الابراهيمي اعلن فيها انه ليس متأكداً من ان النظام هو من استعمل الكيماوي… بل “آخرون” ويكفي ان نسترجع الحملة الاعلامية المؤيدة للنظام سواء في لبنان أو في سوريا لنفهم من خلال تلك الأبواق أن “المعارضة” (أي الارهابيين هم الذين استخدموا الكيماوي ضد “النظام الديموقراطي” المدافع عن الحقوق المدنية. والحرية والنتيجة: ان الاعلام الغربي “الحساس” من عبارة “الارهاب” خلط بين “اللغة” وبين الواقع وراح بخبث يستذكر 11 أيلول وكأن من ارتكب تلك الجريمة بات موجوداً في صفوف المعارضة السورية. كلها بلا استثناء والكل يعلم “أن مكافحة الارهاب” زجلية أميركية غناها بوش وأصاب بها كل من يعارض سياساته الحمقاء واسرائيل بل وكل من يناضل من اجل قضية، بل وكل الفلسطينيين الذين يدافعون عن حقوقهم المشروعة التي سلبها الاحتلال الصهيوني. وكما تحولت اسرائيل التي تصادر أراضي الفلسطسينيين ووطنهم ضحية “ارهاب” من يطالبون بحقوقهم، فها هو الشعب السوري يتحول “ارهابياً” لأنه ثار ضد طغيان النظام. هذه هي الأدوار المقلوبة والتأويلات المغلوطة والقضايا المشوهة. فكأنما خان العالمُ نفسه. خان ثوراته: أوباما “الداعية” الثرثار والماركنتيلي المموه بالشعارات والرئيس المتذبذب نسي كلامه عن الثورة الأميركية التي سبقت الثورة الفرنسية (1779) وأوروبا تنصلت من “هوياتها” الانسانية وحتى الاخلاقية لتخلط الأوراق بأيد ملوثة بدماء الشعب السوري، كما لوثتها على كل امتداد القرن العشرين وحتى اليوم بدماء الشعب الفلسطيني، لكي نقول أيضاً بدماء الشعب اللبناني، عندما تواطأت وأميركا مع النظام السوري لتفرضه وصياً على لبنان. وها هي تكمل المشوار. وفي موازاتها نظام بوتين الذي بعدما أهدر دماء الشيشانيين والجيورجيين واحتل قسماً من جورجيا وركب نظاماً “ستالينياً” بسحنة “البلاي بوي” وطبقة أوليغارشية مافيوية تنهب الشعب الروسي، ها هو اليوم، في اوج تعطشه للدم… يداوم على استنزاف السوريين وبين أوباما والغرب وروسيا… ها هي إيران تستعد لقطف ثمار دعمها للنظام السوري وليكون هناك مربع الوصاية الجديد على العرب وليس على سوريا فقط. فكأنما أُزيح كل دور عربي عن الأزمة السورية. لا عرب. هناك بل روسيا. ايران (تركيا مستبعدة حتى الآن) ، أميركا (ووراءها اسرائيل)… ولا شيء للعرب. كأن سوريا باتت حقاً مشاعاً روسياً إيرانياً، منتزعة عنها عروبتها، ومحيطها وتاريخها. بل كأن الشعب السوري منفي عن هويته التاريخية. شعب بلا هوية، تُفصّل له “هوية” غير عربية، وحتى غير اسلامية، أو مسيحية أو فكرية، أو سياسية، أو ثقافية. فعندما تمزق الرابطة العربية الأم عن الشعب السوري. فيعني كأنما بات في حركة “ترانسفير” إلى تاريخ لا يصنعه والى هوية مزورة. وإلى وجود مشكوك فيه. كأنما يقال ان الشعب السوري غير موجود وما هو موجود “حُفَن” من الارهابيين الغرباء الوافدين من الخارج. اذ يبقى له ان يتمتع بمواصفات “الموجودين” عندما يتحول إلى “موجودات” تُنقل من هنا إلى هناك، اي عندما يُشيأ الشعب السوري برمته، كما قضت المؤامرة وما زالت أن يغيب الشعب اللبناني على امتداد الحروب، وبالأيدي ذاتها التي تتلاعب بمصير السوريين. فحتى النازحون السوريون الصقت بهم تهم الارهاب. والقتل والعمالة ومن يضمن غداً الا يعترف بِسُوريَة هؤلاء النازحين. قد تُحرق دوائر النفوس في سوريا، ويصبح هؤلاء وحتى الذين صمدوا في أرضهم بدون هوية. شعب “البدون” وفي أفضل تقدير قد يتماهى مصيرهم بمصير اللاجئن الفلسطينيين وتوضع عندها شروط تعجيزية ليسمح لهم بالعودة إلى وطنهم. فالمدرسة الصهيونية، في هذا الاطار، مثالية بالنسبة إلى بعض الأنظمة العربية ومنها النظام البعثي، إذاً لا عروبة. لا انتماء. ولا تذكرة ولا أرض ولا وطن، ولا عودة. (ويغني عندها الكثيرون أغنية فيروز “راجعون”!) قد يظن البعض اننا نؤلف قصة خيالية، لكن ما كان لا يصدق في فلسطين 1948… وما بعدها.. بات واقعاً. ونظن ان محاولة محو الهوية العربية عن الشعب السوري (وكل هوية مواطنية وانسانية) يوازيه تفويض وبشكل دراماتيكي فصل العالم العربي عنه، ومحاولة الفُرس والروس واسرائيل بتدبير اموره. (هل نتذكر الجزائر والاستعمار الفرنسي الذي كان يعتبرها “فرنسية!) فكما حاول الاستعمار الفرنسي “فرنسة” الجزائر بقطعها عن جذورها العربية والتاريخية، يتم اليوم “فرسنة” سوريا…لفرض وصاية إيرانية عليها. والكل يعلم مدى حقد العنصر الفارسي على العرب، وحتى على الاسلام العربي! انها المؤامرة (سايكس بيكو جديدة أو مالطا أخرى) وتماماً كما تخلى الغرب عن العرب بعد الحرب العالمية الثانية. وكافأ تحالفهم معه بفرض الكيان الصهيوني في فلسطين، فها هو اليوم ومن أبواب أخرى يتخلى حتى عن أواصره بالدول العربية الكبرى. فأوباما بيلاطس البنطي الجديد، ترك منطقة الشرق الأوسط لسواه (ما عدا اسرائيل طبعاًُ) وها هو يتجه إلى أمكنة أخرى إلى آسيا أو إلى التقوقع إو إلى الاستقالة من الدور القيادي (أو شرطي العالم). واغفل علاقاته ومصالحه بدول الخليج ليهتم بأواصر جديدة مع ايران. وهذا ما يتقاطع مع مواقفه السلبية من الثورة السورية، وكأنه، عن ارادة أو “ممانعة” (وأوباما صار ممانعاً كخامنئي) يسلم شؤون المنطقة لهاتين القوتين الطاغيتين متناسياً ما جاء في خطابه “الشهير” في القاهرة بعد انتخابه رئيساً. “انا بريء من دم هذا الصديق” فأصلبوه! وافعلوا به ما شئتم. او افضل ما ارتكبه يهوذا الاسخريوطي عندما باع المسيح بـ 30 من الفضة. فأوباما بين بيلاطس البنطي وبين الاسخريوطي… وصولاً إلى الفريسيين او تجار الهيكل (البزنس)…

أتراها نظرة سوداوية؟ انهزامية.؟ لا! ان ما نسوقه افتراضات ومجرد مخاوف. وقرف وغضب من هذا الغرب العفن. ومن مؤامراته ومن إيران وتفاهاتها. ومن جني 2 أو 3 أو 4. ذلك ان لا جني المقبل سيكون حاسماً ولا ما بعده. فأن الائتلاف الوطني قد يذهب وقد لا يذهب. والأمور لا تتعلق به وحده. فالشعب السوري العربي بالمرصاد ما زال في الميادين يسطر ملاحم البطولة. ولن يعطي شرعية من يحتمل ان يفاوض باسمه بخيانة مبادئ الثورة (التي حُولّت مجرد معارضة ثم وصمت بالارهاب من قبل الارهابيين أنفسهم وعلى رأسهم بوتين). الشعب السوري ما زال صامداً. ولن تثنيه لا مجزرة كيماوية. ولا مجزرة سكودية. أو غارات جوية. أو لا تخلي العالم “المتمدن” عنه. فكل انتصار لإيران وروسيا هو انتصار وهمي وقتي. ونبشر حزب “مقام السيدة زينب” ومقام “السيدة ايران ما يستقوي به على اللبنانيين اليوم باعلان “انتصار” (!) على الشعب العربي السوري مجرد أوهام! وهو اشبه بانتصاره في حرب تموز على اسرائيل، وما اشبه “انتصار” اليوم بالبارحة. ونظن ان المرتزقة الذين خرجوا من سجون “بوتين” في الشيشان والزمر الارهابية الوافدة من عراق المالكي والحرس الثوري الفارسي، ومعه الحزب “اللبناني” الأكثر فارسية ليسوا أكثر من مجرد مرحلة أو كابوس “ليلة صيف” سيعبرون هُزامى. بل أكثر: لن يسمح الشعب السوري بأن ينعقد الهلال “الصهيوني” في أرضه ليوافي ايران والعراق ولبنان(!) واسرائيل.

والحقيقة الساطعة انه كما “هَزَم” الشعب المصري “ظواهر” الارهاب في مصر، وفي تونس واستعادت القوى السيادية والمدنية زمام المبادرة وانفرقعت الجماهير عن “الاخوان المسلمين” و”النهضة” والسلفيين” (الخوارج الجدد) والارهابيين (خريجي المعاهد الأميركية كالقاعدة ومتفرعاتها) فسيهزم الشعب السوري كل هذه الطفيليات والطغاة. فالربيع العربي اسمهُ الربيع العربي وهو موصول اصلاً بربيع الثورة الإيرانية ضد الملالي و”الشياطين” ولن يكون لا “الربيع” الروسي ولا الأميركي ولا الصيني. فالربيع العربي لم يقل كلمته بعد. وها هو يعيش مخاضاً طويلاً (ككل الثورات الكبرى: الفرنسية والشيوعية) بحثاً عن ديموقراطيته وعن هويته الوطنية وعروبته الحضارية (لا عروبة مذهبية او مذهبية خوارجية) وها هو متواصل هذا الربيع. ربيع الدم الطاهر. الربيع الأنقى من ألف عام. مهما شابه من ظواهر روبيسبيرية أو دانتونية، أو “هملرية” أو ستالينية أو خامنئية وها هو الشعب العربي كله بأكثريته الساحقة يتراص وراء كل ربيع لبناني او سوري، أو تونسي أو يمني أو حتى ليبي.

اما الشرعية الدولية، العار الأكبر على البشرية، التي خانت الفلسطينيين في قضيتهم المقدسة وها هي تنحاز بما يشبه ارتكاب الجريمة إلى الطغاة فلتذهب إلى الجحيم بجنيها و3 و100 و1000! اما الأخ أوباما فاذا كان غسل يديه القذرتين من دم الشعب المصري منحازاً إلى الأخوان ومن الشعب التونسي منحازاً إلى “النهضة” ومن الشعب السوري منحازاً إلى الاستبداد (شأنه في ذلك شأن حليفه “الاستراتيجي في اسرائيل) فلن يكون أكثر من بوش الإبن لكن بصورة مشوهة وبطلاء كذوب وبذهنية انعزالية. وكلنا يعرف ان المؤامرة الأميركية الإيرانية التي اسقطت نظام العراق السابق يراد لها ان تتكرر في سوريا. وكما سلمت أميركا العراق لايران (بموافقة صهيونية) وسلمت لبنان للنظام السوري (بجهود صهيونية جمة) فلن تنجح هذه المرة في “قلب العروبة النابض” (ليس بنظامها بل بشعبها العظيم) وليس غريباً ان تهزم اميركا في افغانستان و(العراق) ومصر وتونس اليوم… لأنها باتت في أواخر دورها الطغياني لا تعرف سوى الهزائم.

ونظن ان ظواهر الربيع العربي لن تقوى عليه قوى الشر والاستعمار والهيمنة. انه ربيع مقبل. وليس ربيعاً آفلاً. انه ربيع ينتظره أولادنا، وليس خريفاً يُعيد اللعبة إلى الاستبداد … والطغيان ويكفي ان نقول ان الوشائج العربية اعاد لحمتها هذا الربيع. اعاد صور عبد الناصر الكبير إلى الميادين، والجماهير الى انتماءاتها التاريخية، والى مشاعرها بالحرية والكرامة وبالتمسك بالارادة الشعبية.

الربيع العربي في سوريا وتونس ومصر وليبيا واليمن… لم يقل كلمته بعد! والذين يراهنون على هزيمة ارادة الشعب العربي المستنهضة كمن يراهن على “اللاتاريخ”… والجنون والغباء والأحلام المريضة!

فلا تسألوا اذا كان العرب في جني بل ابحثوا عنهم في الميادين منخرطين وراء شعوبهم في نضالهم من أجل الحرية والسيادة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل