#adsense

ظاهرة “الجنود الصغار”

حجم الخط

 ليس رئيس “الحزب العربي الديمقراطي” علي عيد ، الأوّل ولا الأخير على الأرجح ، في إعلانه أنّه “جندي صغير في جيش الأسد”.

قبله قالها من هو أعلى رتبةَ، في موقع وزير سابق، أو قائد عسكري و”رئيس و6 وزراء” ، أو أمين عام حزب، ولا فرق إن قالوا إنّهم “جنود صغار” لدى الأسد أو لدى “سيّدهم وقائدهم ووليّهم” الفقيه.

 ولا بدّ لعلماء الإجتماع السياسي أن يدرسوا ويحلّلوا هذه الظاهرة، لكونها فريدة من نوعها.

 فلم يخبرنا التاريخ السياسي للدول والشعوب عن قادة وزعماء ورؤساء أحزاب وشخصيّات في دولة ما، أعلنوا انتماءهم، بل تبعيّتهم إلى قائد أو زعيم أو رئيس دولة أخرى، إلى درجة التباهي بالإنضواء في جيشه  “جنوداً صغاراً”، إلاّ في حالة واحدة: حين تكون هذه الدولة تحتلّ دولتهم، كما في زمن الحكم العثماني مثلاً.

ويُمكن تفسير ذلك بضعف نفوس بعض الخاضعين للإحتلال، أو تزلّفهم من باب التقيّة والذميّة السياسيّة، أو اقتناص الفرص والمصالح.

والمعروف أنّ لبنان لم يعد ، على الأقلّ في العلن الرسمي والقوانين الدوليّة، دولة خاضعة للإحتلال، أو وصاية النظام السوري ( تخفيفاً )، منذ 26 نيسان 2005. فلماذا لا يزال هناك من يبايع بشّار الأسد كرئيسه وزعيمه وقائده؟

لا شكّ أنّ لعقدة النظام السوري التاريخيّة تجاه استقلال لبنان ولعقدة هؤلاء تجاه النظام علاقةً بالأمر، إضافةً إلى العامل المذهبي والطائفي . فيكون علي عيد وحزبه ومن يدور حولهما مجرّد وديعة سياسيّة مذهبيّة وعسكريّة للنظام ترهن بيئة بشريّة ومذهباً بكاملهما.

وتنشأ عن هذا الأمر إشكاليّة خطيرة تتمثّل في رفض الحزب وقيادته التزام القوانين اللبنانيّة وخروجهم عليها والتنكّر لكلّ السلطات الشرعيّة. وليست المفاضلة بين جهاز وآخر سوى تأكيد للتنكّر.

وهذا ما يفعله “حزب الله” على نطاق أوسع وبشكل أشد خطورة من داخل الدولة اللبنانيّة ومن خارجها، مسترهناً طائفة كيانيّة لمصلحة قوى خارجيّة.

وما تفعله أيضاً أحزاب وتيّارات سياسيّة أخرى منضوية تحت مسمّى “8 آذار” وملحقاتها.

وليس خافياً أنّ جميع هؤلاء يأتمرون بدولة غير الدولة التي يحملون جنسيّتها ويشاركون في حكمها، بل يحكمونها عمليّاً. والمعضلة هي هنا بالتحديد ، قبل البحث في جنس الحكومة وأرقامها وثلاثيّاتها.

لم يعد هناك أدنى شكّ في أنّ قيام الدولة اللبنانيّة مرتبط بشكل عضوي وسببي بسقوط نظام الأسد. يسقط هناك تقوم الدولة هنا. معادلة بسيطة وحاسمة. وكلّ من يُنكر هذه الحقيقة يتواطأ على وطنه ودولته.

ويبقى من باب الترف السياسي أو التكهّن الغامض والخبط في هواجس المجهول، القول إنّ أيّ نظام سوري بديل سيحمل العقدة نفسها، وسيبقى لبنان مشروع دولة غير قابل للتحقيق.

والأسوأ أن يقول قائل: إمّا أن تكونوا جميعكم علي عيد وحسن نصرالله وأشباههما، أو لا تحلموا بدولة لبنانيّة. حملة تيئيس وتخويف تصدّرها أخيراً نصرالله بشكل سافر واستعلاء موصوف، شاهراً صكّ استسلام “14 آذار” ، بانياً على “انتصار” ما في ذهنه، وحسابات فيها الكثير من التسرّع والأوهام.

لم يتجرّأ علي عيد على “ربّ صقر” ورفض المثول أمام التحقيق إلاّ بعدما رفع نصرالله راية “الإنتصار”، وتباهى الأسد بأنّه بات مركز الكون، ورفع أتباعهما عقيرة الشروط ولوّحوا بصكّ الاستسلام لمريدي الدولة والشرعيّة.

وقد توحّد الطفّار في مسألة المطلوبين الفارّين، من ” قدّيسيّ ” الضاحية إلى “طوباويّي” جبل محسن!

ولكن، هل يظنّ عاقل أنّ من يبني سياسته على شخص مهما كان جبروته يُكتب له مستقبل؟ ألا يقرأ هؤلاء تاريخ الجبابرة الذين ملكوا الأجناس وحبسوا الأنفاس، ثمّ أيّ منقلبٍ انقلبوا؟

يتمسّكون بالأشخاص والأرقام، فلا الأشخاص خالدون ولا الأرقام جامدة وأبديّة.

“الجنود الصغار في جيش الأسد ” والوليّ الفقيه لن يكونوا كباراً في وطنهم وبين أهلهم. سقراط إنسان مائت، وكذلك الأسد والفقيه، إلاّ إذا كانا أهمّ من سقراط ، وأعلى ( أو أدنى! ) من الإنسان.

ولعبة الأرقام بين 9-9-6 ، و 8-8-8 ، و11-11-8 ، وثلاثيّة وثلث ومثالثة وأحجام .. لعبة عابرة أمام الأفكار والمبادىء والحقائق الوطنيّة.

لو أدركوا أنّ الذين يتمسّكون بأذيالهم راحلون لا محال، لتبدّلت بهم الحال!

ولَأقلعوا نهائيّاً عن التمنّي بالبقاء صغاراً في جيوش الآخرين.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل