ورابعاً، ما الذي يريده “حزب الله” بعد كل شيء؟ هو، وخلافاً للحركات الإسلامية السنية الراديكالية، يسجَّل له أنه يرفض أيديولوجياً التحريض ضد السنّة كسنّة، طالما أن الخمينية أرادت أن تستعيد فكرة الوحدة الإسلامية ولو بأفق التشيّع، لكن هذا الحزب ينصّب نفسه لأجل ذلك وصيّاً عاماً على الطائفة السنية.
المعتدل بين السنة يعتبره “حزب الله” معتدلاً أكثر من اللازم، والمتطرّف من السنة يعتبره الحزب متطرفاً أكثر من اللازم.
طبعاً، كل الطوائف اللبنانية مدعوة لإقرار الطوائف الأخرى على ما هي عليه، وليس على ما يطيب لكل طائفة أن تكون عليه الأخرى. لكن هذا ينطبق على “حزب الله” أكثر من سواه، كون “السنّي” عنده هو إما “متأمرك” وإما “تكفيري”, وإما الأمران معاً.
والأهم من هذا كله، هل أدرك “حزب الله” منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وصولاً إلى الثورة والحرب الأهلية وحرب التدخل في سوريا أن ثمّة “مسألة سنية” في بلاد الشام؟ أو أن الحزب يعتبر حقيقة بأنه لولا “التحريض السني” لكان السنّة في سوريا ولبنان راضين تماماً عن سياسة الصلف المذهبي التي يجسّدها هو؟
هذا لا يعني أن الساحة السنية لا تعيش أي أزمة أو خلل. بالعكس تماماً. الصلف المذهبي الممارس ضد السنة في سوريا ولبنان مرتبط أيضاً بأزمة إدراك سنية مزمنة لطبيعة التعددية المذهبية والطائفية في البلدين وما تفترضه على صعيد المشاركة السياسية والتعبير عن الهويات المختلفة. وهذا ما خبرناه مؤخراً في أسلوب معالجة قضية شريط الفيديو الذي يظهر عملية تهشيم تمثال السيدة العذراء. أسلوب المعالجة كان قاصراً: الإشارة إلى أن أحوال المسيحيين في إيران ليست على ما يرام، وثمة من يُجلد. هذا ليس كافياً أبداً. ففي إيران لا يمكن الحديث عن تغير دراماتيكي في أوضاع المسيحيين اليوم. هذا بعكس ما يحصل في سوريا. في سوريا هناك مشكلة أقليات حقيقية بالإضافة إلى مشكلة اضطهاد نظام فئوي للنسيج الأكثري من المجتمع السوري. التجريد لا يجدي نفعاً. ينبغي الاعتراف بهذه المكونات الإثنية للنزاعات الحالية كما هي.
أما في الخطاب المذهبي، فيمكن أن يتجاور النافر والمضمر، ويمكن أن يكون المضمر أذكى سياسياً من النافر، وهذا ما يسجّل لـ”حزب الله” إذا ما قارنّاه بالتنظيمات الراديكالية السنية. في الوقت نفسه فإنّ المضمر المذهبي حينما يكابر على مذهبيته، ثم يستخدم لتسويغ صلف وتجبر، فإنّه يتجاوز النافر المذهبي بأشواط.