“بابوري زمر هجّ من الوطن، يقص الموج قص الجبن
علبحر أزرق خلّف كفن، هاج البحر ماج البحر
بابوري سافر عالعين غاب، خلف الضباب
محشي معبي بخير الشباب يسوه للاجنبي بلا حساب”
(غناء الهادي قلة)
بعد ذلك “راحت السكرة وإجت الفكرة”! فلم تمض بضع سنوات على طرد المستعمر من أرض الوطن “المقدسة”، حتى اشتاق معظم المواطنين الأحرار إلى حكم المستعمر وحنّوا إلى أيامه. من هنا بدأت حملة نضال عكسية، ذهب ويذهب الآلاف ضحايا بسببها، في مغامرات تشبه رحلة “أوديسيوس” بطل أسطورة “هوميروس” الشهيرة في البحر، حيث المواجهة المستحيلة مع العواصف والأساطير ومع خطر الموت غرقاً.
تلفتني دائماً تلك النادرة التي يرددها الكثيرون من الفرنسيين بأن مدينة مرسيليا، وهي الثانية في عدد السكان في فرنسا، وتحوي أهم مرفأ تجاري على ساحل المتوسط، عندما يقولون إنها مدينة جزائرية. والجدير ذكره أن الأكثرية الساحقة من الجزائريين هناك هم من المهاجرين الجدد الذين أتوا عبر البحر زرافات ووحدانا على مدى الخمسين سنة الماضية، وليسوا من جماعة “الأقدام السوداء” الذين كانوا يعتبرون أنفسهم فرنسيين.
هناك في مرسيليا لا تحتاج الى اتقان اللغة الفرنسية للإستدلال الى مكان تقصده، فالعربية المكتوبة هي اللغة الثانية! هنا “جزّار حلال” وهنا “قروض شرعية” وهناك “حملة مولاي للحج والعمرة”. وبالطبع فمن الصعوبة بمكان التواصل بالحديث مع المارة باللغة العربية، فاللغة المستعملة هي اللهجة الهجينة بين الفرنسية والعربية والأمازيغية. الغريب هو أن الأكثرية الساحقة من هؤلاء يعيشون في ظروف أقل بكثير من متوسط العيش للمواطن الفرنسي دخلاً ورفاهية، ومن ارتفع منهم دخله بمجهود في العلم والدراسة “تفرنس “بسرعة وخرج غير نادم من بيئته “المتخلفة”!.
الجزائر العظيمة، بلد المليون شهيد، هي بلد مصدر للنفط، تحولت إلى بلد مصدر للبشر بعد أن توالى على حكمها قادة صامدون مثل الأبد، فبقيت الجزائر قابعة في دول العالم الثالث رغم ثرواتها ورغم نجاحات أبنائها الاسطورية في فرنسا.
بالطبع يجب ألا ننسى أن استكبار الحاكم والقهر وسوء الأحوال دفعت هذا البلد إلى حرب أهلية رهيبة سميت “حرباً على الإرهاب” ولا تزال عملياً قائمة حتى الآن. “حرب على الإرهاب؟!” يبدو أنها جملة مألوفة نسمعها اليوم من حسن نصر الله ومن بشار الأسد!.
لقد لفتني اليوم تقرير يقول إن حزب “جبهة التحرير”، الحاكم منذ الأزل في بلد المليون شهيد، سيجدد ترشيح “بوتفليقة” لولاية رابعة في ظل عجز تجاوز في الموازنة! يعني أن الجزائر وجبهة تحريرها تنتجان سبباً جديداً لتكرار انشغال حرس السواحل في إيطاليا بالبحث عن جثث جديدة طافية على سطح الماء، والمؤسسات الإنسانية “الإستعمارية” لتهب لوضع بطانيات على أكتاف ناجين وفي تحضير حساء ساخن لهم.
ما لنا ولذلك كله اليوم، فالحدث هو أن لبنان والشمال يستقبلان جثامين المواطنين الشهداء الذين سقطوا أمام سواحل استراليا وهم يبحثون عن أمل جديد، وعن كرامة تنشلهم من ذل السؤال.
الواقع المخيف هو أن شمال لبنان قد تدهورت أوضاعه بشكل استثنائي على الاقل على مدى الثماني سنوات الماضية، بعد أن كانت بالأصل سيئة في سنوات حصار المخابرات السورية قبل ذلك.
منذ بعض الوقت، وأثناء مناظرة تلفزيونية مع أحد مؤيدي الممانعة، ردد أمامي مقولة نعيم قاسم بأنه على لبنان أن يبني “مجتمع المقاومة”! وعندما قلت له إن ذلك يقضي على كل مميزاتنا الإقتصادية، فقال “إلى جهنم، المهم الكرامة”.
في عز حرب ، وبعد أن “زدتها” بهجوم كان غير مسبوق ضد “حزب الله”، زارني قياديان من الحزب معاتبان بتحبب على مواقفي مع أنني “مقاوم بالأصل” فكيف أكون “ضد المقاومة؟!”.
أجبتهما “لقد أتى رفيق الحريري إلى لبنان حاملاً الأمل بوطن مستقر، لقد تبنى المقاومة في اتفاق نيسان ساعياً وراء توازن يحمي الإستقرار، ثم عمّر على أساس ذلك إلى أن تحقق التحرير، ولم يحفظ له حزبكم أي مودة! المهم اليوم هو أن مغامرتكم ستؤدي إلى دمار ذلك كله”.
أجابني أحدهما بابتسامة صادقة “حكومة السنيورة شاطرة وستذهب للتسول لإعادة الإعمار”.
فقلت مستهجناً “التسول يعني الإرتهان للدول المانحة، ومن ضمنها الشيطان الأكبر، فأين الكرامة في ذلك؟”.
الواقع هو أن المعادلة عند حزب الله هي كما يلي:
ـ استنزاف مال الدولة لدعم جمهوره تحت شعار المقاومة.
ـ تغطية ما تبقى من الحاجات من المال النظيف.
ـ دفع باقي مكونات البلد من غير جمهوره إلى الفقر والتطرف والفوضى.
هذا بالضبط ما دفع مجموعة من أبنائنا إلى مغامرتهم القاتلة هرباً من الفقر الناتج عن عدم الإستقرار وتردي حال الإقتصاد الوطني الذي دفعتنا إليه أسطورة نصر الله ووليه الفقيه. فهل يعلم نصر الله بمسؤوليته؟