ففي مقابل التفاؤل بالأوضاع الثورية الناشئة عن احتدام الصراع بين الطبقة المسيطرة وبين الطبقة المواجهة لها، الذي سرعان ما ينقلب إحباطاً يبحث لنفسه عن مشجب يعلّق خيباته عليه، فقد أعاد غرامشي من خلال مقولة “التوازن الكارثي” الاعتبار لفضيلة التشاؤم.
غيره كان يرى في عجز أي من الطبقتين المتصارعتين عن حسم الصراع امتداداً للوضع الثوري، حتى إذا ضاع هذا الوضع بدأ الإحباط، أما غرامشي فجازف برؤية العجز المتبادل عن الحسم على أنه مغادرة للوضع الثوري، ودخول في الوضع الكارثي، الذي لن ينهي عملية تهديمه للبنى الاجتماعية لكلا الطرفين المتصادمين، إلا بانبثاق قطب “قيصري” ينجح في فرض معادلته في مواجهة طرفي الصراع المستعرّ، لاعباً ورقة المنقذ من الحرب الأهلية ومن انهيار المجتمع، مع أن هذا “المنقذ” سيكون مائلاً بطبيعة الحال لمصلحة إحدى الفئتين المتنابذتين رغم ايجاده حدّاً أدنى من التوليف الاجتماعي بين قواعدهما مع إلغاء الحضور السياسي المستقل لكليهما، فإما أن يحتسب “المنقذ القيصري” من متاهة “التوازن الكارثي” في معسكر التقدّم في المحصلة الأخيرة كنابليون بونابرت، وإما في معسكر الرجعية كبنيتو موسوليني.
في سوريا يختلف “التوازن الكارثي” كما يجسّده الواقع الدموي الداخلي ومرتكزاته الإقليمية والدولية عن “التوازن الكارثي” بالشكل الذي نظر له غرامشي في زمانه. في أقل الإيمان، بمنظار غرامشي يظهر “المنقذ القيصري” لنبذ الفئتين المتنابذتين العاجزتين عن الحسم قبل انفراط عقد المجتمع. التوازن الكارثي على الطريقة السورية، وبعد أربعة عقود من الطغيان الفئوي الأسدي، وقبلهما عقدان من التعثّر في الحفاظ على النظام البرلماني، مرة بعد الاستقلال مباشرة، ومرة بعد الانقلابات العسكرية، كان توازناً بين قوات النظام والمسلحين المتصدين له من النوع الذي سار بالأمور نحو تدمير مجتمعي مهول، أحدث كارثة إنسانية كبرى، بحيث سلكت الحرب الأهلية السورية مسلكاً مختلفاً عن سابقتها اللبنانية. في لبنان امتدت الحرب ستة عشر عاماً، لكن تاريخ الحرب كان تاريخاً متقطعاً لها، يتنقل بين جولة حربية وبين وقف إطلاق نار أو هدنة، وكانت المناطق تعيش تفاوتاً بين الأجواء الحربية والسلمية أكبر بكثير من التفاوت الذي تعيشه المناطق السورية، التي باستثناء مناطق من جبل العلويين والساحل، تعيش ولو بأشكال مختلفة حرباً ضروساً. الحرب اللبنانية شهدت تدمير وسط العاصمة، لكنها عرفت أيضاً نهضة عمرانية في ضواحي بيروت الشرقية والجنوبية، وتطورت بلدات بعينها لتصبح مدناً. لنا الرجاء بألا تمتد الحرب السورية كثيراً، لكنها على هذا الصعيد حرب تدميرية شاملة، لا اتفاق وقف إطلاق نار فيها، ولا مدناً تنمو على حساب دمار أخرى.
لكن المفارقة تكمن هنا. فالمجتمع الدولي يعيش حالة “غرامشية لاواعية” حيال المسألة السورية. ما دام التوازن كارثياً، ولم نعد في وضع ثوري، يحاول هذا المجتمع أن يعثر للسوريين عن “منقذ قيصري” أو ما يقوم مقامه. “منقذ قيصري”.. إنما بولادة قيصرية.
لكن ذلك يتحوّل سريعاً الى موقف هزليّ طالما أن المجتمع الدولي لا يمكن أن يجمع على الحد الأدنى من الواقعية والأخلاقية في آن في هذا الصدد: فالمنقذ من “التوازن الكارثي بين القوى” لا يمكنه أن يكون بشّار الأسد نفسه. أكثر من ذلك: وقوف الجيش الى جانب بشار الأسد بهذا الشكل على امتداد سنتين ونصف السنة يكاد أن يلغي الحل الغرامشي لمشكلة “التوازن الكارثي” من أساسه: فهذا المنقذ الذي سينقلب على الجميع، من أين سيأتي ان لم يكن من الجيش النظامي؟!
كل هذا يعني شيئاً واحداً: بشار الأسد – وما يمثله في الطائفة والنظام والجيش والدولة – يمنع ظهور أي “منقذ قيصري” من التوازن الكارثي يختلف عنه ولو بوصة واحدة. بالتالي، رغم كل ما يمكنه أن يُقال في سوء التدبير السياسي لقوى المعارضة والثورة، وفي كل ما جرته الفصائل الإسلامية الراديكالية على المشهد السوري العام، يبقى أن أزمة رأس النظام أكبر، فهو يطرح نفسه، والروس والإيرانيون في مؤازرته، كمنقذ من نفسه ومن الثورة في آن.
باختصار اذاً: عندما تعجز فئتان عن الحسم في صراع مستعر يصير توازنهما كارثياً بانتظار “منقذ”. في سوريا، اتخذ التوازن الكارثي بعداً تدميرياً غير مسبوق للمجتمع وللركائز الأهلية المفترض بها إسناد أي مسار تسووي سياسي سلمي. لكن كارثة سوريا تتضاعف أكثر لأن بشار الأسد يطرح نفسه المنقذ من نفسه، والمنقذ من وضعية يعجز قطباها عن الحسم.