#adsense

“حضرة المصلوب” لبنان

حجم الخط

 "حضرة المصلوب" لبنان

ستظل "الجغرافيا" صليبك أيها الوطن، ولا أفق مفتوحاً أمامك سوى البحر!! ولن نرميك فيه لنرتاح من خريطتنا المحبوسة في قمقم جواراتها سواء في الطمع، الطامعة بالماء، أو الطامعة بالتاريخ والأرض والشعب!!

ستظل لعنة الممالك الفينيقية المنقسمة على نفسها والمتنازعة في ما بينها، والمتحدة فقط في لحظة خوفها من زوالها، قدرك!! وستظل لعنة "حربقة" تجارّها الذين جابوا العالم ومخروا موج البحار المتلاطم المترامي، وصدّروا الحرف وعلموا العالم أبجدية العلوم، قدرك من هذا العلم هو جاهلية الغرائز الطائفية والمذهبية!!

ستظل لعنة "القطيع" المتمرد على الراعي وعصاه، التي يهشّ بها عليه علّه يجمعها، ويستعيد كل "غنمة" شردت في اتجاه حتف وطنها وحتفها خوفاً عليها من أن يستفرد بها الذئب، لأنه لا يفترس إلا الشارد منها!! وسيظل الراعي مذهولاً كلّما اكتشف استذءاب غنمه، ويستغيث كلّما فاجأته "غنمة" وهي تعوي كذئب، وكلما وقعت عيناه على أنيابها المسنونة وهي تنهش لحم أختها في القطيع..

ستظل قطعان "الموارنة" لعنتك أيها المصلوب، وستظل "أنانيتهم" وحبهم لذواتهم، ولعنة "تعبدهم" لها فقط، فهي إلههم الذي لا يعرفون سواه إلهاً لهم!! وستظل لعنتك "رغباتهم" التي لا يستطيعون إلا السقوط عند قدميها، ساجدين لنيران حلم تصوّره لهم شياطينهم، مزيّنة لهم كرسي الرئاسة الأولى، فيبيع بعضهم وطنه قبل نفسه لكل شارٍ مهما كان الثمن بخساً!!

يا "حضرة المصلوب" لبنان، أجمل ما فيك يا وطني، أننا نعرف أنّ قدرنا فيك أن نظل "مرفوعين" على هذا "الصليب" ولا انفكاك لنا عنه، ولا نزول، ولا رتبة دفن، ولا دحرجة حجر.. وأجمل ما فيك يا "حضرة المصلوب" يا وطني، أننا نعي أن قياماتك تتواصل، فلا أنت تبقى ميتاً في رقدة أخيرة، ولا أنت تظلّ حياً إلى أبد سرمدي، بل ستظل إلى آخر الدهر تموت وتعود لتفاجئ كل الذين يتمنون موتك بأنك حيّ تنبعث بعد كل نزع، لأنك "النفس الأخير" في هذا الشرق المظلم، أنت نقطة الإشعاع ومنارة الحضارة فيه، وجَبَلك جنّة الله الخضراء الآسرة في أرضه كلما استعرت من حولنا في شرقنا التعيس نيران الجحيم!!

"حضرة المصلوب" يا وطني، ما أكثر المصفقين لصلبك، وما أكثر المسامير التي تغرز في جبينك وقلبك وعينيك وتظل بهياً، ما أجمل تواضعك على عظمتك، وما أودع سكينتك عندما لا ترتعد خوفاً من كلّ الذين يودون افتراسك!! سكينة العارف الواثق بالله أن لا ينالك منهم سوء مهما احتالوا لذلك، وأنك مبارك في الأرض ومبارك في السماء..

"حضرة المصلوب" لبنان.. بالأمس تجاور مستذئبون كثر أمام المذبح، تستر أبدانهم أثواب الجمال، ووحده الله مطلّع على ما قَبُحَ أو ما حَسُنَ من سرائرهم وما تخفي صدروهم، وقبلهم كلّهم، جلس على رأسهم "راعي أمور دنياهم" رئيس البلاد "الأدرى" بكل الجالسين خلفه، وأمامهم وعند المذبح وقف راعي "أمور دينهم" ورأس كنيستهم، وبيده عصاه عارفٌ بحكمته ووقاره غنمه الشاردة واحدة واحدة، ويفوّض أمره إلى الله في قوم يدعوهم إلى ما فيه خير وطنهم وخيرهم فلا يجيبونه!!

حضرة "المصلوب لبنان":أعيادك مباركة، وعسى أن يتدحرج عن صدرك حجر "الكواسر" الطامعة فيك من كل صوب، وعسى ألاّ يسقط عن كاهلنا تراخياً أو ضعفاً أو خيانةً أو مللاً أو جبناً أو خوفاً، قدرُ الدفاع إلى الأبد عنك، كما نحبك وتحبّنا، "سيداً، حراً، مستقلاً"!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل