#adsense

موسى وعيون «الأجهزة»

حجم الخط

موسى وعيون «الأجهزة»
زهير قصيباتي

 

قبل المحاولة الثانية في بيروت، في مسعاه لإقناع طرفي الصراع المحليَّين في لبنان ببدء تطبيق بنود المبادرة العربية، اختار الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى ان يوجه رسالة ثانية الى مَن يعنيه إنقاذ البلد من الاضمحلال والتفكك. وهي بالتأكيد رسالة تحذير من الآتي الأعظم، بعد أحداث الأحد الدامي التي لم يدفع ثمنها سوى اللبنانيين، مزيداً من الشهداء، مزيداً من الجروح في جسد الوحدة، وكيلاً طافحاً من شؤم النبش في ذاكرة الماضي، حيث توارت الكوارث.

 

بديهي أن الأمين العام الذي يحمل أمانة تعريب الحل بين اللبنانيين وغيرهم، لم يقصد إثارة هواجس رعب فيما تداعيات الأحد تغلف الأزمة بما لا يساهم أبداً في إحياء جسور الثقة، ولا تهدئة الاحتقان، ولا تنشيط حوار مقطوع أو طرد شيطان التفاصيل.

 

وإذا كان بعضهم رأى في تحذير موسى الأول من احتمال التدويل، في حال انهارت خطوط المبادرة العربية وحظوظها، مجرد مسعى للضغط على الموالاة والمعارضة في لبنان كي تسرعا في تطبيق أول بنود المبادرة (انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً)، فاعترافه امس بالعجز عن «منع اجهزة دولية من التعامل مع الوضع اللبناني إذا تدهورت الأمور»، يتعدى الضغط اللفظي على الداخل، وإن كان لا يشجع بالطبع تدخل الخارج، تحت مظلة ما للتدويل. والأكيد ان احداً في لبنان لا يمكنه التكهن الآن بطبيعة هذا التدويل أو ملامحه، بما يتعدى مجرد قرار جديد لمجلس الأمن.

 

أما العكس، فسيعني ببساطة إذا انهارت مبادرة الجامعة، أن لا تعريب ولا تدويل، بالتالي ينكشف لبنان ساحة مفتوحة، مع عجز الموالاة والمعارضة عن التوافق على حل في إطار «لبننة». وسيعني حتماً ان فراغ الساحة ينتظر ما يملأه، فلا يكون سوى كابوس حرب أو حروب «أهلية» أخرى، أو في أحسن الأحوال ترك حبل التيئيس على غارب التشرذم، للبلد وكيانه.

 

وأما تفاؤل موسى بوجود فرصة «جيدة» لتقدم الحل العربي، فحدوده أزمات ما سماه الوضع العربي والإقليمي الذي قد يجوز استبداله بـ «التطبيع» في العلاقات العربية وتهدئة الصراع الإقليمي، الى الحد الذي «يحيّد» ذاك الحل، قبل ان تستكمل الانهيارات ضرب كل المؤسسات اللبنانية. ويدرك الأمين العام ان التحييد بالمعنى المجازي ليس مطلقاً، فقبول طهران مثلاً التعريب، بما لها من تأثير، شرطه الأساس تقبّل المعارضة تسهيل مبادرة الجامعة، بوصفها المخرج الأخير.

لقد بات واضحاً ان بين الأثمان التي دُفِعت في أحداث الأحد الدامي، وأولها دماء الشهداء الى أي منطقة انتموا، جعل طريق المبادرة أكثر وعورة، فيما النتائج تجعل التعريب أكثر إلحاحاً، وهزّ حبل الثقة بقدرة الجيش على إدارة دفة الأمن بانتظار الحل، ليبدو كأنه عاجز بعدما خرج منتصراً من معركة مخيم نهر البارد، وأثبت قدرة فائقة في تحمّل كل الضغوط الأمنية، منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

 

وإذا كان المستهدف ايضاً ضرب حظوظ العماد ميشال سليمان المرشح التوافقي للرئاسة، أي تطويق الحل العربي قبل بدء تطبيقه، رغم مد سليمان يديه للجميع، على امل إنقاذ الجمهورية بإعادة حبل الحوار… فإن مَن يطلق النار على المبادرة وهذا التوافق، لن يستسلم بسهولة أمام النيات الطيبة لدى موسى، ولا رغبة الموالاة والمعارضة في الابتعاد عن حافة الهاوية.

 

ومثلما يكمن الشيطان في التفاصيل، لعله ايضاً وراء الطوابير الخامسة أو السادسة، وهذه لا وسيلة لكشف أقنعتها أو تفادي الانقسام على هويتها، كما على كل شيء في لبنان… كما تشي الأحداث الأليمة في الأحد الدامي.

 

وإذا كانت كل الأطراف توحدت حول الألم لسقوط الشهداء، فالعبرة مرة أخرى ان يقتنع الجميع بأن لا حل طوباوياً في مفردات السياسة، وتكييف معادلة «لا غالب ولا مغلوب» لا يتواءم مع استيلاد الهواجس، كلما خبت نار ازمة.

 

لم يفُت بعد أوان الإصغاء الى نصائح التحذير من رياح التدويل التي قد لا تكون أقل كلفة من العواصف الإقليمية، فعيون «الأجهزة» مفتوحة… والهبّات على حالها: باردة كما في دعوة وليد جنبلاط الى حل وسط، وتطبيع مع دمشق سيأتي، وساخنة كما في عودة محمود احمدي نجاد الى تعبئة الغضب الغربي من إيران، كلما استثار اسرائيل فتوعدته.

أين ساحة الصراع، إذا أهدر اللبنانيون فرصة التعريب؟

المصدر:
الحياة

خبر عاجل