المنطق المقلوب سمة المرحلة
المحامي جورج ابو صعب
في سياق المتابعة للتطورات والمواقف السياسية الراهنة في لبنان برز الى حيز التداول كلام يحلل بعض ما تشهده الساحتين المحلية والاقليمية على نحو محرف ومغلوط نرى من الواجب ان يضاء عليه وتصويبه انطلاقا من ان المنطق كما يقول الفيلسوف بليز باسكال سلسلة من الافكار المترابطة في تطورها الطبيعي وسياقها العملاني.
اولا: التفسير المغلوط في تحول السياسة الاميركية والغربية تجاه سوريا وايران
فاذا كان صحيحا ان السياسة الخارجية للولايات المتحدة في ظل ادارة الرئيس اوباما قد سجلت تحولات كبيرة لمصلحة الديبلوماسية ومعالجة الملفات الشائكة في المنطقة بهدوء وروية، فان الصحيح ايضا ان الادارة الاميركية افهمت كل من يعنيه الامر في لبنان والمنطقة ولا سيما سوريا وايران الى ان اي انفتاح ناجح ومضمون بين واشنطن وطهران ودمشق لن يكتب له النجاح ان لم ترفع سوريا يدها عن التدخل في شؤوون لبنان واللبنانيين، وما لم تترك ايران الشعب اللبناني وشأنه يعالج مشاكله وملفاته الداخلية ويرتب اوضاعه من دون تدخلات ولا ضغوطات.
فصحيح ان دمشق شهدت مؤخرا حركة زاهرة من الوفود الاميركية الرسمية وصحيح ان الرئيس اوباما قد دعى باللغة الفارسية ايران الى الحوار والتفاهم. لكن الصحيح ايضا ان الحكم السوري قد سمع من الاميركيين كلاما لا يرضيه في ما يخص تدخل سوريا في لبنان ولا بل اكثر من ذلك وكما صرح جيفري فيلتمان بعد لقائه الرئيس الاسد مؤخرا ان واشنطن كانت حازمة وواضحة في ربط اي انفتاح او تحول جدي بين البلدين بمدى تخلي سوريا عن سياساتها التدخلية في لبنان.
وبالتالي لا نرى اين يريد ان تصل بعض الاصوات المحللة في الداخل في تفسيرها لظواهر سياسية اقليمية بطريقة منقوصة ومحرفة لا تخدم الحقيقة والرأي العام.
ثانيا: التفسير المغلوط للانفتاح الغربي الاوروبي على سوريا وايران:
وايضا على هذا الصعيد تفاجئنا التحاليل لدى البعض التي تحاول الايحاء بان اوروبا تخلت عن لبنان في سبيل التقارب بينها وبين سوريا وايران. في وقت نرى ونسمع ونشاهد التصاريح والبيانات والمواقف الاوروبية من الدولتين الاقليميتين تركز على ضرورة قيام الدولة اللبنانية القوية القادرة والاستقلال التام عن اي تدخل سوري وايراني في الشؤون اللبنانية الداخلية. فمساعدات الاتحاد الاوروبي المالية والسياسية والعسكرية (بالامس اعلن الوزير الياس المر عن مساعدات عسكرية اميركية ضخمة للجيش اللبناني) اكبر دلائل على ان سياسات الغرب والاتحاد الاوروبي لم تتغير في الجوهر بل ما تغير فقط هو محاولة خلق فرصة حوار جديدة بين الغرب واميركا من جهة والدولتين الاقليميتين المتحالفتين من جهة اخرى لمحاولة تسوية القضايا العالقة بينهم بالطرق السلمية.
فعندما طلب الرئيس ساركوزي من الرئيس السابق جورج بوش محاولة اعتماد نهج جديد في التعاطي مع النظام السوري على اساس سياسة لطالما عرف بها رجل الدولة الالماني النمساوي التاريخي الشهير بسمارك "سياسة العمولة"، بمعنى ان تحاول فرنسا اقناع سوريا بالتخلي عن التدخل في الشؤون اللبنانية بالديبلوماسية الهادئة في مقابل حوافز ومكاسب سياسية واقتصادية وسواها، ليس اقلها انضمام سوريا الى الشراكة الاورو- متوسطية كما الى الشراكة الاوروبية وسواها من مغريات، كان الرئيس ساركوزي يحاول تليين الموقف السوري وليس بيع لبنان لسوريا مثلا كما يحلو للبعض تصويره اليوم.
وبالتالي فان قصة التحولات السياسية الدولية تجاه المنطقة يجب ان تقرأ من زاوية مختلفة عما يقرأها البعض بقصد التشويه او عن غير قصد: فلا نفهم باي منطق يحاول البعض تجيير الانفتاح الحاصل لاخذه باتجاهات عكس ما هي عليه في الحقيقة. كأن يقال مثلا ان الانفتاح الغربي على سوريا دليل على قوة سوريا الاقليمية ودورها المؤثر في عدد من الملفات الاقليمية كلبنان وفلطسين، ولا يقال ان الانفتاح الغربي على سوريا يقابله انفتاح سوري على الغرب من باب الرغبة السورية في الخروج من عزلتها الدولية الخانقة الامر الذي قد يجر الى تنازل سوريا عن عدد من اوراقها الضاغطة للغرب ومنها مثلا حماس وحزب الله.
فما هي الدلالات والتأشيرات التي يعتد بها البعض للقول بان الانفتاح الحالي او التحول في السياسة الدولية في المنطقة هو باتجاه واحد؟ بينما في المقابل هناك العديد من الدلالات التي تشير الى شروط غربية وضعت وتوضع على سوريا وايران في سبيل القبول بسياسة جديدة معهما ليس اقلها وقف التدخل في لبنان والمساهمة في تقوية الدولة المركزية واستقلال وسيادة الدولة اللبنانية وتشجيع الوحدة الوطنية والانتخابات النزيهة والحرة والديمقراطية والحفاظ على دور لبنان الرائد في المنطقة والعالم.
فالتصاريح والمواقف والبيانات الاميركية والاوروبية واضحة وموجودة في الارشيف والتي تجمع كلها على عدم القبول باي انفتاح على حساب لبنان وسيادته وووحدته ومؤسساته القوية (من الوزيرة كلينتون الى خافيير سولانا وصولا الى فيلتمان وبيانات الناطقين الرسميين للادارة الاميركية والقمم والمؤتمرات…)
لذلك نرى ان التضليل المتعمد في تفسير التقارب الحاصل في المنطقة في السياسات الدولية والاقليمية والعربية مضخم في تحريفه وينبغي وضع الامور في نصابها الحقيقي والطبيعي ليس الا.
ثالثا: التضليل في تفسير التقارب والمصالحات العربية – العربية الاخيرة:
وايضا نجد التحريف والتضليل والتحليل الملتوي اسياد الموقف في تحاليل البعض للمصالحات العربية – العربية الاخيرة منذ قمة الكويت الاقتصادية الاخيرة وصولا الى قمة الدوحة منذ اكثر من اسبوع – وقد اساء البعض وهنا عن سوء قصد – تفسير مبادرة خادم الحرمين الشريفين سمو الملك عبدالله في قمة الكويت الاقتصادية الاخيرة لجهة مد يد المصالحة العربية – العربية. وقد اراد البعض وضعها في خانة التنازلات السعودية والمصرية لسوريا عن لبنان، في وقت ان القاصي والداني يعلم ثبات وصلابة مواقف اكبر واهم دولتين عربيتين من القضية اللبنانية ومن التدخلات الايرانية والسورية في شؤونه. وبالتالي نرى ان التقارب والتصالح، بشرط ان يكتب لهما الاستمرار والجدية ستنعكسان على لبنان ايجابا اذا صفت النوايا السورية وهو الامر الذي لا يزال موضع شك لدينا خصوصا بعد الموقف الاخير للرئس الاسد الى صحيفة السفير، والتي فيها لا يزال يقر بمبدأ ان لسوريا اصدقاء في لبنان في السياسة وهي تدعمهم.
فانطلاقا من مجمل الملاحظات اعلاه، نجد ان ثمة تصورا سياسيا مقلوبا بدا يظهر في لبنان يغزيه بعض السياسيين الموالين لسوريا وايران وتحاول بعض الاقلام المأجورة تسويقه. لكن هذا التصور لن يكتب له النجاح لان الاحداث والوقائع والمواقف المسجلة والتي سوف تسجل في ظل الانتخابات النيابية المقبلة وما بعدها ستؤكد زيفه وبقاء المعادلة الدولية من لبنان كما هي: نعم لاي تقارب وحوار ولكن ليس على حساب لبنان.
فعلى البعض ان يقتنع جديا بان زمن البيع والشراء قد ولى في السياسات الدولية تجاه لبنان وبان التقارب السوري – الايراني مع الغرب حاجة حيوية لتلك الدولتين توازي ان لم تتجاوز حاجة الغرب الى هذا التقارب.
فعلى من يدعي قراءة السياسة جيدا ان يعلم ان التحولات ليست باتجاه واحد بل بالاتجاهين وان احد الخطوط الحمر لتلك التحولات كان وسيبقى لبنان.