|
|
||||||
وإذا كان “حزب الله” لا يريد أن ينفرد بالحلّ، فلِمَ يأخذ قرارات الحرب والسلم من دون العودة الى الدولة أو الحكومة؟ وإن كان يرفض حكومة الأمر الواقع فلأي سبب شكّل حكومة على وقع التهديد ولم تمثّل فيها قوى 14 آذار؟ في الواقع إن “حزب الله” حيّر اللبنانيين، فإذا طلب منه تفسير الماء، فسّره كذلك بالماء، وإذا كان عليه أن يهدد فيهدد بالتقطيع، وإذا دعا الى حوار أو تشكيل حكومة، فهو يفرض ثلاثيته وثلثه المعطّل ويتّهم غيره بالتعطيل! فماذا يريد “حزب الله”؟
تصريح نائب الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم غامض في هذا الإطار… فقد دحض كل ظنون اللبنانيين وتأكيداتهم بعد تجربة مريرة لهم مع اقتحام بيروت وتهديد الجبل، والانتشار في المناطق المسيحية اعتراضاً على ديموقراطية الإعلام، بأن الحزب يحتاج الى بعض الوقت أو ينتظر الظروف السانحة للانقلاب العسكري على الدولة… “لا نريد حكومة أمر واقع ولا الانفراد بالحل” يقول قاسم. للوهلة الأولى يظنّ المواطن أن السلام “هبط” فجأة، غير أن اللهجة السياسية في إطار تسجيل الموقف ليست ديبلوماسية وإن كان الحزب لا يريد التفرّد بالحلّ… والسؤال هو متى، أو ما هي الحالة منذ 8 سنوات حتى اليوم، التي لم يتفرّد فيها “حزب الله” باتخاذ القرار؟ فهل طلب الاستفتاء لمشاركته في الحرب السورية؟ وهل اجتاح بيروت بإذن من أبنائها؟ وبموافقة مَن اغتال هاشم السلمان؟
لا شكّ في أن كلام قاسم يحتاج الى تفسير لأنه ينطوي على معانٍ تجافي الدقّة، وغير مقرونة بإثباتات أو براهين… فكل ما يقوم به “حزب الله” هو أمر واقع، لأنه لا يحكم بالمشاركة إنما بفرض القرارات… والواضح أيضاً أن التضارب في تصريحات جماعة الحزب يجعل الاختلاف ظاهراً وواضحاً: فهل التهديد بتقطيع الأيدي هو سياسة الحزب؟ أم الدعوة المبهمة الى الحوار والشراكة؟ فليعتمد الحزب على لغة سياسية واحدة، ولا داعي لأن يظهر أحدهم بمظهر من يرتدي ثوب الحمل وآخر بمظهر من يخلعه.
حنّ “حزب الله” الى العمل الوزاري، على الرغم من أن الفضائح طالته خلال عمل الحكومة قبل استقالتها وبعدها. عجباً! لم يخطر حينها في بال قاسم أي “عمل تعاوني”، بل كان الحزب يعمل منفرداً، مرة متلوّناً بالأورانج، ومرة بدمّ الشعب السوري، ومرة بأصفر يعلو فيه السلاح على كل شئ. “نطرح الحل التعاوني” يقول قاسم… لكن ماذا يعني بالحل التعاوني؟ وهل التعاونية تعني الدولة أم هي شركة تجارية؟ لن يقبل اللبنانيون بهذا الحلّ، لأن أي حلّ غير الدولة ومؤسساتها غير مطروح حالياً على بساط البحث.
يصعب الحكم على كلام قاسم لأن كلامه لا يوحي لا من قريب ولا من بعيد بأنه سمع رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” محمد رعد يهدد بقطع الأيدي… فلا لغة الحزب واحدة ولا التنسيق صائب ولا وجهة النظر متّفقة، وهذا تعبير عن الخلاف والاختلاف معاً وإلا لما كان قاسم توجّه الى قوى 14 آذار قائلاً: “نحن جاهزون وإذا أردتم الحوار قبل أو بعد تشكيل الحكومة فنحن حاضرون لأي حل يؤدي الى تشابك الأيدي لنتوافق عليه ليس من موقع ضعف وإنما من موقع الحرص على وحدة البلد”. فكيف ستتشابك الأيدي إن كانت مقطوعة؟ وهل يريد “حزب الله” المواطن اللبناني بكامل أعضائه الجسدية أو بما يقرّره؟ أو هو لا يريد التفرّد في ذلك؟!
الاختلاف واقع وكذلك الخلاف، إن في المضمون أو الأسلوب، ولكن هذا لا يمنع من أن قاسم لم يترفّع عن لغة التهديد واتّهام قوى 14 آذار بالتعطيل… فرفض حكومة الأمر الواقع هو نوع من التهديد لأي محاولة قد يقوم بها أي طرف لتشكيل الحكومة، خصوصاً أن “حزب الله” كان عبّر عن عدم رضاه عن زيارة رئيس الجمهورية للمملكة العربية السعودية، فيما وجد حليفه المسيحي أنها انفتاح. ويسأل قاسم قوى 14 آذار عن “الفائدة التي يجنونها من تعطيل البلد”، وربّما الأجدى به أن يسأل حليفه رئيس المجلس النيابي عن سبب إقفاله المجلس وتعطيل العمل الديموقراطي لسنة ونصف السنة.
و”يحور ويدور” الحزب للتحدث بموضوع النفط. والنفط بات اليوم “الحيلة والفتيلة” في وطن لا ينقصه سوى المواضيع الخلافية التي لا يجوز لحكومة مستقيلة البتّ فيها لأنها تقريرية مصيرية، ولأن الخلاف أولاً وأخيراً هو داخل البيت الواحد… الحل ليس بالحوار ولا بالشركة ولا بالتعاونية، فلا مقايضة على دولة ولا حكومة ولا دستور، وإن تصفية الحسابات هي أحوج ما تكون إليه قوى 8 آذار نفسها اليوم!