لماذا مصر؟ "مصر تتحدّث عن نفسها"
لماذا مصر؟ لن تكون الإجابة صعبة، ففي هذا الهامش بالذات كتبنا وأكثر من مرة أن مصر هي "المستهدف الأكبر" في هذه المرحلة العربية العصيبة، لأنها قلب العالم العربي ومركز الثقل "السُنّي" فيه، والذي لا يستطيع أحد أن يعيّره لا بسلفيته المتشددة ولا بأصوليته المتطرفة، ولا بسُنّيّته "الوهابيّة"..
وأكثر من مرّة كتبنا – وفي هذا الهامش بالذات – وجهة نظرنا ورأينا المتواضع، وانطلاقاً من السياق التاريخي لمصر ودورها، وبمعزل عن كل الشعارات "الطنانة" كطبل أجوف التي قد تخدع السُّذج من المسلمين البسطاء والذين ينقادون بعماء شديد خلف مشاعر صادقة إنما جاهلة، خصوصاً الشعارات "الخشبية" التي يتلطّى خلفها أهل "الممانعة" (…)
أما المنطق الإسلامي الذي يرفعونه تبريراً لفرض مصالحهم على الآخرين بدعوى الدفاع عن مسلمين آخرين أو مساعدتهم فيدفعنا إلى القول بأن القاعدة الشرعية في هذا الأمر هي التشريع النبوي الشريف، قال (صلوات الله عليه): "ابدأ بنفسك ثم بأخيك".
لماذا مصر؟ السبب الأول ؛لأن الصمت الذي خيّم على لبنان – ربما بسبب وقع الصدمة – ثقيل جداً، فلمصر قيادة وشعباً وأرضاً وتاريخاً منزلة خاصة في قلوب اللبنانيين، فهي الحضن العربي، وللبنان مع مصر أواصر متينة أقلها على مستوى "الدور اللبناني النهضوي" ومنذ القرن التاسع عشر يوم كانت مصر معقل الفكر العربي الإصلاحي المتنور، ولأن الكلام اللبناني جاء "خجولاً" بل "أبكم وأصم" سواء الرسمي منه أم الإعلامي، وكأن لبنان كـ"دولة" غير معني بالضرر الذي قد يلحق بعلاقاته بأكبر دولة عربية، أو كأن كثيرين في فمهم "ماء" الخوف يمنعهم من إعلان موقف صريح مما يحدث!!
أما السبب الثاني؛ فلأنني لم تقنع عقلي البسيط "حكاية" دعم المقاومة في فلسطين المشطورة شعبين يذبح بعضهم بعضاً، أو بمعنى أصحّ دعم "حماس" في غزّة، على الأقل التاريخ الذي حمله سياق الأحداث، ينفي هذا الأمر بشدّة، فالتغلغل في مصر بدأ في العام 2005؟ لم يقبل عقلي البسيط هذه الثغرة التبريريّة، على الأقل قرأتُ فيها "محاولة تطويق مبكرة" لمصر، ليصبح حلم "الإمبراطورية الفارسية" مطبقاً عليها من أكثر من حدود مخترقة، ولتصبح حماس – إيران "دويلة" على حدودها.
جغرافياً ليس علينا التلهي بالحديث عن حدود "معبر رفح" والإصرار على فتحه لتهريب السلاح لا الطعام ولا الغذاء مثلاً، والمستفيد الأول من جمع ثروات التهريب هي حماس، معبر رفح تمويه يشغلنا عن المقصد الحقيقي، فمصر مستهدفة ومن حدودها المتعددة، ونظرة على جغرافية خارطتها تؤكد نظريتنا هذه، إذ تشترك مصر بحدود من الغرب مع ليبيا (وما أسهل اختراقها لاحقاً من ملك ملوك أفريقيا وإمام المسلمين وعميد الحكّام العرب)، ومن الجنوب مع السودان (وهي أصلاً مخترقة وبوابة تهريب السلاح إلى الداخل المصري)، ومن الشمال الشرقي مع (فلسطين) إسرائيل وقطاع غزة، و تطل على البحر الأحمر من الجهة الشرقية (ومن هنا نفهم التواجد في شرم الشيخ مثلاً). تمر عبر أرضها قناة السويس (ومن هنا نفهم التمدد باتجاه الإسماعيلية وبور سعيد كموقعي ملاحة لتهريب السلاح ولرصد قناة السويس)، ومصر تقع في أقصى الشمال الشرقي من إفريقيا، يحدها من الشمال الساحل الجنوبي الشرقي البحر المتوسط، و من الشرق الساحل الشمالي الغربي للبحر الأحمر، وعلى البعض ربما مراجعة المعبر الذي دخل منه الخليفة الفاطمي بعدما انتظر طويلاً لحظة الانقضاض على مصر!!
خطاب الدفاع عن اختراق أمن وسيادة مصر سيكون غير مقنع لأحد إذا استمر مستخدماً مبرر "شرف" مساعدة "حماس"، خصوصاً بعدما دخل على خط الدفاع عن هذا "التمادي والتجرّؤ" على التدخل في شأن دولة عربية كبرى وتعريض أمنها وأمن شعبها للخطر وتعطيل حركة السياحة فيها، فقد تحدث ثلاثي الدفع باتجاه "مذبحة غزة" منذ أشهر وهم مدركون لنيّات العدو نطق الثلاثي: "إيران، سورية، وحماس" "فرع سورية"وخرس أمير "آبار الغاز"!!
حتى مبرّر الثأر لاغتيال قيادي من حزب الله ليس مقنعاً، خصوصاً أن الاغتيال وقع في العام 2008، واختراق مصر بدأ في العام 2005، ودوناً عن كل بلاد الله الواسعة "ساقبت" اختيار مصر للرد منها والانتقام على أراضيها!! وكأن هذا إن حدث سيلحق الأذى فقط بمصر، مع أن الانتقام العدواني الإسرائيلي الرهيب سيكون واقعاً لا محالة على الأرض اللبنانية!!
أما مصر بقيادتها الحكيمة، وشعبها الطيب الصادق المحب المخلص، الذي لن يظفر به طامع لأن مصر في وجدانه هي مصر القرآن الكريم، مهبط أمان الأنبياء، من إبراهيم خليل الله، وموسى كليم الله، ويعقوب ويوسف الصدّيق والأسباط، والسيد المسيح وأمّه الصدّيقة المقدّسة العذراء مريم" (صلوات الله عليهم أجمعين) بمسلميها وقبطها، ومصر فوق الكلّ عند أبنائها، ولسبب بسيط جداً، يستيقظ المصري لتقع عيناه على تاريخه العريق الضارب في أعماق الحضارة الأولى، يرى حكاية بناء الأهرامات ماثلة أمام عينيه، يجد النيل الذي يجري بأمر الله ما زال جارياً، ويسمع بشارة رسول الله بفتحها وحرصه الشديد بكل خير على قبطها لأن لهم صهراً ورحماً.. آبار "الغاز" لا تصنع حضارة "إمارة"، وانتفاخ الغازات بالعمالة للأضداد: المقاومة وإسرائيل، وأميركا وإيران، لا تصنع أوطاناً لها تاريخ!!
وللذين أخطأوا في معرفة مصر وشعبها "الذي يغلي هذه الأيام"، عندما غلب عليهم الظنّ أنهم قد يميلون مع الريح ويُشْرَوْن "ثمناً بخساً دراهم معدودات"، هذه الأبيات من قصيدة حافظ إبراهيم "مصر تتحدث عن نفسها":
وقفَ الخَلْقُ يَنظرونَ جميعاً كيفَ أبني قواعد المجدِ وحدي
وبُناةُ الأهرامِ في سالفِ الدَّهْرِ كَفـــــــوني الكلامَ عندَ التحدّي
أنا إن قَــــدَّرَ الإلهُ مماتي لا ترى الشَّرقَ يرفعُ الرأس بعدي
ما رماني رامٍ وراحَ سليماً فمن قـــديمٍ عنــــايةُ اللهِ جُندي
كم بَغَتْ دولـةٌ عليَّ وجارتْ ثمّ زالتْ وتلك عُقبى التَّحدي