توقيف خلية سامي شهاب في مصر
يكشف غموض الاعتداءات الإسرائيلية على السودان ويرتب تبعات على لبنان
بإعلان السيد حسن نصر الله، أن سامي شهاب المعتقل لدى السلطات المصرية، "هو عضو في حزب الله"، وأنه مكلّف من قبل الحزب بـ"نقل الدعم اللوجستي إلى المقاومة الفلسطينية من عتاد وأسلحة إلى داخل فلسطين"، يكون ثمة قدر متفق عليه، بين الاتهامات المصرية لـ"حزب الله" وبين ما أقرّ به الحزب رسمياً.
خلية "حزب الله" في مصر
في الثامن من نيسان الجاري كشف النائب العام المصري عن اعتقال سلطات بلاده لخلية تابعة لـ"حزب الله"، بقيادة اللبناني سامي شهاب، كانت تعد لـ"عمليات عدائية" على الأراضي المصرية. وفي اليوم التالي كشفت الصحف المصرية معلومات كثيرة حول الموضوع، من أوثقها، أن الخلية كانت تعمل على استلام السلاح الآتي من إيران عبر السودان، وتهريبه إلى غزة عبر الأراضي المصرية.
وكالعادة في مثل هذه الملفات الحساسة، فقد صمت كل مَن في "حزب الله" بانتظار كلام أمينه العام السيد حسن نصر الله، الذي أقر، في العاشر من الشهر الجاري بوجود الخلية، معتبراً أن دعم المقاومة الفلسطينية ليس تهمة، وأن الاعتقال جرى قبل الحرب على غزة وليس بعدها، نافياً كل التهم الأخرى عن المجموعة.
الاعتداءات على السودان
في الثامن من نيسان أيضاً كشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن مجموعات مسلحة تابعة للبحرية الإسرائيلية قصفت، في كانون الثاني الماضي، في ميناء بور سودان، قوافل أسلحة مرسلة من إيران إلى حركة "حماس".
وسبق ذلك كشفُ "مصدر سوداني"، في 24 آذار الماضي، ومن خلال إحدى الصحف المصرية، عن "غارة عسكرية شنتها طائرات مجهولة على الشمال الشرقي لجمهورية السودان قرب الحدود المصرية، استهدفت قافلة لتهريب سلاح إيراني إلى غزة".
ومع مرور مزيد من الوقت اتضح أن السودان تعرض إلى ثلاث اعتداءات إسرائيلية (غارتان جويتان وهجوم بحري) منذ توقيع واشنطن وتل أبيب في كانون الثاني الماضي اتفاقاً لوقف تهريب الأسلحة الى غزة.
لماذا صمت السودان عن انتهاك سيادته؟
بقدر الالتباس الذي رافق الاعتداءات الإسرائيلية على السودان، كان ثمة تساؤل عن السبب الذي يدفع هذا البلد لمواصلة الصمت عن انتهاك حرمة أراضيه، خصوصاً أن المتحدث باسم الخارجية السودانية أقر في 27 آذار الماضي بحدوث الاعتداءات قائلاً: "إنها لم تكن غارة واحدة، وإنما غارتان؛ الأولى في أواخر كانون الثاني (يناير)، والثانية في منتصف شباط (فبراير)". كما أعلن "مسؤولون سودانيون" لشبكة "إيه بي سي نيوز" الإخبارية الأميركية في 28 آذار الماضي أن أحد الهجومين أدى إلى تدمير 17 شاحنة ومقتل 39 شخصاً!. ومع ذلك لم يُثِر الإعلام السوداني هذه المسألة، ولم يطرحها الرئيس عمر البشير على جدول أعمال القمة العربية في الدوحة، لدفع العرب للتضامن مع بلاده، كما فعل في قضية المحكمة الجنائية لمحاكمة مجرمي دارفور!.
في 2 نيسان الجاري كشف وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط لقناة "المحور" الفضائية بعض المستور، عندما أعلن أن "مصر علمت بحصول ضربتين لقوافل في شرق السودان عند وقوعهما ولكنها آثرت الصمت لأنها لم تشأ إحراج الإخوة في السودان"، ما يعني أن السودان الذي لم يعلن عن انتهاك سيادته كان محرجاً – تماماً كما كانت سوريا محرجة عندما انتهكت الطائرات الإسرائيلية سيادتها وقصفت موقع الكُبر- وذلك إزاء أمرين أساسين:
الظهور أمام الشعب السوداني والعالم بهذا القدر الكبير من الضعف، خلافاً لمظاهر القوة التي تحاول دول العالم الثالث ادعاءها.
التخوف من تدهور علاقة السودان مع مصر، في وقت يسعى فيه لحشد التأييد في مواجهة المحكمة الجنائية، على اعتبار أن مصر لا يمكنها السكوت عن تبني السودان لحركة تهريب السلاح عبر أراضيها، فضلاً عن أن تبني السودان لهذا العمل له تبعاته الدولية.
"حزب الله" على خط السلاح من إيران إلى غزة
وسط هذا المشهد، وعلى ضوء ما كشفته الصحف المصرية والمصادر السودانية، وما أقر به الأمين العام لـ"حزب الله" والموقوفون، يبدو أن خط نقل الأسلحة من إيران إلى غزة يجري عبر البحر، حيث تفرغ السفن حمولتها في السودان، ثم تسلك الخط البري باتجاه رفح، بمساعدة البدو وبدعم وتنسيق من "حزب الله"، الذي أقام شبكة منظمة لهذه الغاية، ولغايات أخرى، منذ نحو ثلاث سنوات. وهو ما أقر به شهاب، مضيفاً أنه تعاون مع اللبناني محمد قبلان، والسوداني "خليل" لـ"تهريب سلاح ومقاتلين إلى غزة". وهكذا يصبح الكلام عن الاتفاق الأميركي- الإسرائيلي لمتابعة تهريب السلاح أواخر أيام الحرب على غزة مفهوماً.
إن انكشاف هذا المشهد يؤشر إلى أمور عدة ذات صلة:
أولاً؛ لقد أصبح صعباً على "حزب الله" مواصلة نفيه وجود فروع أو خلايا له في الخارج، خصوصاً مع اعتراف شهاب بتعامله مع متخصصين في تزييف المستندات، ونسجه ومجموعته، علاقات مع البدو اقتضت أحياناً إثارة مشاكل بهدف تسهيل تهريب السلاح إلى غزة، فضلاً عن افتتاح مؤسسات كغطاء لعمل شبكته.
ثانياً؛ ومع الأخذ بالاعتبار سمو غاية دعم المقاومة الفلسطينية إزاء الإجرام الإسرائيلي المتمادي، وحتى لو سلمنا جدلاً بأن هذه الخلايا لا هدف لها سوى دعم المقاومة الفلسطينية، فإنه لا يمكن التعامل مع دولة كبيرة كمصر وكأنها "وكالة بلا بواب"، كما قال الرئيس المصري حسني مبارك في معرض إبلاغ الرئيس فؤاد السنيورة امتعاضه من نشاط "حزب الله" في الأراضي المصرية.
ثالثاً وأخيراً؛ إن هذا "النشاط" الخارجي لـ "حزب الله" قد رتّب تبعات على الدولة اللبنانية، خلافاً لإرادة الإجماع اللبناني، وللدور المفترض لمفهوم الدولة، ولولا أن الدولة المصرية تعرف حقيقة الواقع اللبناني لكانت تعاملت مع الدولة اللبنانية بشكل مختلف.