لا قعْرَ مرئيّاً لما يطرحُه حول الجيش.. ولا يعترف بمفهومَي الدولة والسيادة
عندما يفسّر "حزب الله" الاعتداء بثنائيّة الحرمان ـ العنف
لم يعُد ثمّة "قعرّ مرئيّ" لما يطرحه "حزب الله" أو لما يمكن أن يتوصّل إلى طرحه.
في اليومين الماضيَين تعرّض الجيش اللبنانيّ لاعتداء إجرامي ـ إرهابيّ في منطقة البقاع، فسقط له عدد من الشهداء وعدد آخر من الجرحى. لا يمكن القول إنّ "حزب الله" لم يُدِن الإعتداء على المؤسّسة العسكريّة لأنّه أدانه بالفعل.
"تفسير" الإعتداء بالحرمان
غير أنّ الحزب، وعلى ألسنة عدد من نوّابه ومسؤوليه، وجدَ الفرصة مؤاتيةً لـ"تفسير" الجريمة أو لـ"شرح" ظروفها. فإذا به يتحدّث عن "الإهمال والحرمان" اللذين تعاني منهما منطقة البقاع، واللذين على أساسهما تقوم "مشكلة" بين تلك المنطقة مِن ناحية و"السلطة" متمثّلة بـ"الحكومات المتعاقبة التي تتعمّد الإهمال والحرمان" مِن ناحية ثانية. وهكذا، فإنّ الإعتداء على الجيش مدانٌ لكنّه نتاج مشكلة بين المنطقة والسلطة ليس الجيش مسؤولاً عنها، كما يقول الحزب.
في هذا المجال أيضاً، يلجأ "حزب الله" في خطابه "الثقافي" ـ السياسيّ، الى "الثنائيّات" المحبّبة لديه. وها هو ـ بمناسبة الإعتداء على الجيش ـ يطرح ثنائيّة الإهمال والحرمان ـ العنف. وفي طرحه هذه الثنائيّة يبرّر "حزب الله" العنف ضدّ الدولة والنظام بأسباب إجتماعيّة. أي أنّ الحزب يجدُ المبرّرات باستمرار للإمتناع عن دعم الدولة ومؤسّساتها. ثمّ كيف يكون الجيش غير مسؤول عن "المشكلة" بين المنطقة والسلطة ويجري تدفيعه الثمن في الوقت نفسه؟ وكيف يكون ثمّة فصلٌ بين الدولة والجيش، والحال أنّ الجيش هو المؤسّسة العسكريّة للدولة؟.
"المقاومة" والجيش: من ثنائيّة إلى أخرى
ولا تقفُ "ثنائيّات" الحزب عند هذا الحدّ، خاصّةً عندما يتعلّق الأمر بالجيش.
تغطيةً لرفضه أحاديّة سلطة الجيش العسكريّة على كامل الأرض اللبنانيّة، وتغطيةً لرفضه إستراتجيّة دفاعيّة "لـ" الدولة تقوم على الجيش وعلى دخول كلّ السلاح الى الجيش، طرحَ "حزب الله" منذ مدّة طويلة ثنائيّة المقاومة ـ الجيش. أي أنّه يطرح إستمرار نوع من "الإزدواجيّة" بما يبقي السلاح في يده وخارج الدولة. وقد إستمرّ الحزب في تقديم هذه الثنائيّة، حتّى بعد القرار 1701 الذي أحال الجنوب فعلياً وعملياً الى ثنائيّة من نوع آخر بين الجيش اللبنانيّ وقوات الطوارئ الدوليّة، علماً أنّها ليست ثنائيّة بالمعنى الدقيق للكلمة بما أنّ وجود قوّات الطوارئ حاصل بطلب سياديّ لبنانيّ وبما أنّ مهمّة هذه القوّات هي مؤازرة السيادة اللبنانيّة.
"تقسيم عمل" غير محترم حتّى
غير أنّ "حزب الله" وعلى ألسنة عدد من نوّابه ومسؤوليه، ذهب في اليومين الماضيين إلى حدّ تحويل الثنائيّة إلى "تقسيم عمل" حادّ، عندما قال أحدهم إنّ "المقاومة في مواجهة العدوّ، والجيش لحفظ السلم الأهليّ. اي أنّه أحلّ ثنائيّة المواجهة مع العدوّ ـ الأمن الداخلي مكانَ طرحه السابق.
وذلك مع العلم أنّه في حال كان ثمّة إتفاق لبنانيّ على "تقسيم العمل" هذا، فإنّ هذا "التقسيم للعمل" ليس قائماً بالفعل. ولا يمكنُ، طالما أنّ "حزب الله" ليس فقط لم ينتقد تجربة 7 أيّار بل لا يزال يدافع عنها، إلاّ التذكير بأنّه تمّ إسقاط الأمن الشرعي في 7 أيّار تحت عنوان "السلاح في الداخل للدفاع عن السلاح على الحدود".
رفض الإعتراف بـ"السيادة": مصر نموذجاً
ثمّة رابطٌ إذاً بينَ "تفسير" الإعتداء على الجيش بـ"الإهمال والحرمان" من جهة وبينَ رفض الإعتراف بحصرية العمل العسكري والسلاح في الجيش من جهة أخرى. والرابط منهجيّ بالتأكيد: فهو ليس فقط عدم الإعتراف بـ"شيء" إسمه الدولة، بل ورفض الإعتراف بأنّ للدول سيادة، أي أنّ لمؤسّساتها سيادة وأدواراً حصريّة تسمّى الأدوار السياديّة وأنّ لها سياسات سياديّة. والحال أنّ البديل العمليّ من الدولة والسيادة هو الأمر الواقع والفوضى والعنف الذي يجري تبريرُه.
وعلى قاعدة أنّ "الشي بالشيء يذكر"، لم يكُن مستغرباً مثلاً أنّ "حزب الله" في مواجهة الإتهامات المصريّة بتشكيل "تنظيم" في مصر، صعّد باتجاه تقديم تعريفه هو لـ"السيادة المصريّة". ذلك أنّ الحزب دافع عن نفسه بالقول إنّ "السيادة المصريّة لا يمكن أن تقوم على حصار غزّة ودعم إسرائيل"!.
حدّد "حزب الله" من جانب واحد تعريف السيادة المصريّة، وناب عن الدولة المصريّة في مسألة سياديّة تدخلُ في حسابها إعتبارات شتّى. لكنّه ـ بهذا المثال ـ كشف حقيقة أنّ مَن لا يقيمُ اعتبراً للدولة في بلده ولسيادتها، لا يمكنه إحترام سيادة دولة أخرى حتى لو كانت الدولة العربية الأكبر.
بين "حزب الله" وشطر كبير من اللبنانيين، هناك إذاً خلافٌ عميق حول الدولة ومؤسساتها، وحول الجيش بالدرجة الأولى، يبرز بـ"حدة" عند كل حدث في لبنان.
إما "الدوحة".. وإما "العودة الى ظروفه!
على أن الأخطر يبرز أكثر عندما يُضمّ ملف "هذا" الخلاف الى ملف الخلاف حول الميثاق والدستور، وقد أشبع الملف الأخير نقاشاً في الآونة الأخيرة في ضوء "فلسفة" الحزب لإتفاق الطائف من ناحية ولـ"إتفاق الدوحة" من ناحية أخرى.
أُشبع هذا الموضوع نقاشاً.. الى أن جاء من يلفت النظر الى الأمر الآتي:
إن إصرار "حزب الله" على إعتبار "اتفاق الدوحة" حاكماً في مرحلة ما بعد 7 حزيران، في جانبه المتصل بتوزيع الحصص في حكومة العهد الأولى، ليس مقترناً بالإصرار بالقدر نفسه على روحية الاتفاق لجهة حظر استخدام العنف والسلاح ولجهة حصرية السيادة في الدولة ومؤسساتها. وذلك ما يعني تهديداً ضمنياً من جانب "حزب الله" بالعودة الى "الظروف" التي أنتجت "إتفاق الدوحة" إن لم يقبل فريق 14 آذار بـ"تحكيمه".
المهرّبون مسألة إجتماعية!
قد لا يحصل هذا السيناريو أي العودة الى العنف، لكن لا يمكن إستبعاده "نظرياً" بالمطلق. لماذا؟
عندما يفسّر "حزب الله" الإعتداء الأخير على الجيش بـ"الإهمال والحرمان"، أي عندما يغدو المهرّبون وتجار المخدرات وسارقو السيارات والمعتدون على النظام العام منسّبين الى مسألة اجتماعية عنوانها "الإهمال والحرمان"، حتى لو كان هؤلاء أبناء في عائلات وعشائرمحترمة، فهل ثمة ما يمنع الحزب من أن يجعل الأبيض أسود والعكس بالعكس في أي موضوع كان؟ وهل يمكن إستبعاد أن يُنسّب أي خلل أمني الى جذرٍ إجتماعي أو ديني أو أخلاقي أو وطني فيغدو العنف "مفهوماً" ومبرراً؟
لا قعرَ مرئياً لما يطرحه "حزب الله". ومن يعِش يرَ.